لم يفاجأ عاقل بقرار الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" اعتزامه الانسحاب من الحرب على إيران فى غضون أسبوعين أو ثلاثة ، ليس فقط بسبب غرابة أطوار الرجل العشوائى البرتقالى البهلوانى ، ولكن أساسا بسبب اصطدامه بحائط العجز فى الميدان الحربى وتطوراته العاصفة ، وبسبب الصمود المذهل الذى أبدته إيران فى القتال ضد العدوان الأمريكى "الإسرائيلى" ، وفاق تصورات أشد المتفائلين بحيوية إيران ، وحرم العدو من تحقيق هدفه الأول المعلن بإسقاط النظام الإيرانى ، وكان هدفا لا يستسيغه عاقل عارف بألف باء تكوين نظام الجمهورية الإسلامية فى إيران ، ورغم أن القائد الأساسى للحرب الهمجية "بنيامين نتنياهو" ، الذى جر "ترامب" إلى المقامرة الخاسرة ، تحدث مؤخرا بلغة دعائية أكثر تحفظا ، وحصرها فقط بإضعاف النظام الإيرانى تمهيدا لتغييره فيما بعد ، لكن "ترامب" راح يتحدث بلغة أكثر قطعية وانتفاخا ، ويجزم بأنه تم تغيير النظام الإيرانى بالفعل ، وأنه بذلك تحقق هدف حربه الأول ، استنادا إلى أحكام ساذجة ، من نوع أنه تم قتل قادة الطبقتين الأولى والثانية من نظام "آية الله على خامنئى" ، وأن النظام زال بمجرد اغتيال قادته الأولين ، وأن القادة الجدد أكثر منطقية وانفتاحا على التفاوض مع واشنطن ، رغم أن أى تقدير عاقل يقول العكس بالضبط .
فقد نجح النظام الإيرانى فى تجديد قادته بسلاسة
، ولم تضعفه الاغتيالات المتلاحقة للقادة من "على خامنئى" إلى "على
لاريجانى" ، وانتقلنا من قيادة خامنئى الأب (86 سنة) إلى قيادة خامنئى الإبن "مجتبى"
(56 سنة) ، أى أن كل ما فعله العدوان الأمريكى الصهيونى ، أن مهد لظهور نسخة أكثر شبابا
وحيوية وراديكالية من النظام نفسه ، وبالذراع العسكرية نفسها فى "الحرس الثورى"
وقوات التعبئة "الباسيج" والجيش الإيرانى ، ودونما نجاح يذكر للخطة الساذجة
التى ساقها "نتنياهو" لإقناع "ترامب" بنصر سريع ساحق ، وهى أن
"الموساد" "الإسرائيلى" قادر على تنظيم ثورة شعبية تخلع النظام
فور اغتيال المرشد ، ورغم وجود شواهد كثيرة على عمق واتساع اختراقات جهاز "الموساد"
فى الداخل الإيرانى ، والتى أفضت إلى الاغتيال السهل للقائد "خامنئى" وعشرات
من القادة العسكريين الكبار فى ساعة الحرب الأولى (صباح 28 فبراير 2026) ، إلا أن الثورة
الموعودة لم تقم أبدا ، وامتلأت شوارع طهران ومدن إيران بالناس المؤيدين للنظام لا
المعارضين ، وكان الحشد المليونى المناصر للنظام موحيا ، وصنع القاعدة الأصلب لبقاء
وتجديد النظام ، ودعم قيادة "مجتبى خامنئى" المتوارى عن الأنظار لاعتبارات
أمنية مفهومة ، وفى ظل قصف أمريكى "إسرائيلى" متصل ، تجاوزت أهدافه تدمير
20 ألف موقع فى البنية التحتية العسكرية والمدنية الإيرانية .
وكان الصمود الشعبى الإيرانى تحت حمم النار
، مما جعل الصمود الحربى الإيرانى المذهل ممكنا بسلاسة ، فقد نجح "الحرس الثورى"
الإيرانى فى حماية درع إيران شبه الوحيد من المسيرات وصواريخ "كروز" والصواريخ
الباليستية المتطورة ، وقاد الضربات الصاروخية الإيرانية ضد القواعد الأمريكية ، وفى
قلب كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، وبتخطيط ذكى بارع محكم ، وضع عينه أولا
على تدمير كفاءة نظام الدفاع الجوى الأمريكى "الإسرائيلى" ، وفتح ثغرات اتسعت
فى نظم "الرادارات" الأمريكية بالمنطقة ، التى يبلغ سعر النظام الواحد منها
أكثر من مليار ونصف مليار دولار ، وكان نجاح إيران فى تحطيم عشرة "رادارات"
أمريكية ، ثم نجاح خلطة الصواريخ والطائرات المسيرة ، والتنسيق اللحظى بين إطلاق صواريخ
إيران وصواريخ "حزب الله" اللبنانى ، وبما أدى إلى خلق فراغات ونقط عمياء
مميتة فى نظام القبة الحديدية "الإسرائيلية" ، نفذت منها صواريخ إيران الأكثر
دقة وتطورا ، والصواريخ الباليستية "الفرط صوتية" و"الانشطارية"
العنقودية بالذات ، وبما ساعد إيران على رد الضربات فورا ، وإيقاع أذى مزلزل بالاستحكامات
المعادية ، وتدمير عدد متزايد من طائرات التزود بالوقود الأمريكية ، وصولا إلى تدمير
طائرات الإنذار المبكر "الإواكس" على الأرض ، وبما مكن نظم الدفاع الجوى
الإيرانى المتواضع من تهديد وإصابة طائرات "إف ـ 35" و"إف ـ 15"
و"إف ـ 18" ، والحد من خطورة السماء المفتوحة فوق إيران ، والمسيطر عليها
بإطراد من سلاح الجو الأمريكى "الإسرائيلى" ، وإلى حد استخدام "البنتاجون"
للقاذفات النووية من نوع "بى ـ 1" و"بى ـ 2" و"بى ـ 52"
، وقصف منشآت إيران بالقنابل الأثقل الخارقة للتحصينات من زنة 5 أطنان إلى زنة 14 طنا
، ومحاولة الوصول لتدمير المدن الصاروخية الإيرانية فى بطون الجبال ، وعلى أعماق تصل
إلى 500 متر تحت الأرض ، بينما لا تستطيع قنابل أمريكا الأثقل الوصول سوى إلى أعماق
تقدر بعشرات الأمتار ، وهكذا نجت مخزونات إيران الصاروخية ومصانع إنتاجها ، وبدا الأداء
الإيرانى القوى ساخرا مستهزئا بإعلانات أمريكية "إسرائيلية" زاعقة ، زعمت
تدمير تسعين بالمئة من المسيرات والصواريخ الإيرانية ومنصات إطلاقها ، وبنت قبابا من
الأوهام حول تراجع إطلاقات المسيرات والصواريخ الإيرانية ، بينما كانت إيران تغير فى
نوعية صواريخها ومسيراتها المستخدمة إلى الأشد دقة وتدميرا ، وإلى حد أن مسيرة إيرانية
متطورة لا تزيد تكلفتها على 20 ألف دولار ، نجحت ببساطة فى تدمير طائرة إنذار مبكر
أمريكية من طراز "3 ـ E" ، تصل تكلفة بديلتها "2 ـE " إلى 700 مليون دولار .
والمشاهد ، أن إيران نجحت فى مزج التكتيكات الدفاعية
والهجومية معا ، وردت على استهداف منشآت البترول والمصانع والطاقة بمثلها وأكثر على
الجانب الآخر ، وكما جرى فى مصافى البترول بمدينة "حيفا" ، ومصانع البتروكيماويات
فى المنطقة الصناعية بجوار"بئر سبع" ، ومواصلة الهجمات المدمرة المنسقة على
مناطق "تل أبيب" الكبرى ، وعلى مراكز الاتصالات ومصانع الأسلحة والقواعد
العسكرية "الإسرائيلية" ، وهو ما دفع "ترامب" إلى التهديد بقصف
كاسح لمحطات الطاقة والكهرباء فى عموم إيران ، وكانت "إسرائيل" توالى قصفها
فعلا ، وأعطى "ترامب" لإيران مهلة يومين قبل تنفيذ تهديده ، ثم مدد المهلة
إلى خمسة أيام فعشرة أيام إضافية إلى 6 أبريل الجارى ، وادعى أنه بدأ المفاوضات مع
من أسماهم "القادة المناسبين" فى إيران ، وزعم أنهم قبلوا لائحة شروطه بنقاطها
الخمس عشرة ، فى حين قالت القيادة الإيرانية أنها لا تفاوض "ترامب" ، وأن
ما جرى لا يزيد عن تبادل رسائل عبر الوسطاء فى مصر وتركيا وباكستان ، أو مباشرة من
المبعوث الأمريكى "ستيف ويتكوف" إلى "عباس عراقجى" وزير الخارجية
الإيرانى ، وامتنعت طهران عن مجرد مناقشة عروض "ترامب" وإدارته ، وقدمت لائحة
شروط معاكسة ، تتضمن وقف الحرب نهائيا والتعويضات لإيران والقبول بإدارتها المنفردة
لمضيق "هرمز".
ووسط استمرار الغموض حول مصير الدعوة لمفاوضات
غير مباشرة برعاية باكستان فى "إسلام أباد" بدعم من الصين ، وجد "ترامب"
نفسه محشورا فى المأزق الذى صنعته أكاذيبه عن محو "إيران" من خرائط الدنيا
، وعن ميل إيران لاستسلام بعد تدمير قواتها الجوية التى لم تكن موجودة أصلا ، ومن قلب
فقاعة أوهامه ، فاجأ "ترامب" الجميع بإعلان عزمه الانسحاب من الحرب فى غضون
أسبوعين أو ثلاثة ، وأعلن للمرة العشرين أنه انتصر وأنجز المهمة ، فى الوقت الذى كانت
فيه حشود أمريكا تتدفق إلى المنطقة ، وبينها حاملة طائرات جديدة "جورج بوش"
تضاف إلى سابقتيها "إبرهام لينكولن" و"جيرالد فورد" ، التى خرجت
من الخدمة إلى عمليات صيانة مطولة فى دولة "كرواتيا" ، مع تدفق سفن إنزال
برمائى ، وما يزيد على عشرة آلاف من "المارينز" والفرقة 82 المحمولة جوا
والقوات الخاصة ، وبهدف معلن هو اجتياح جزر إيران فى الخليج ، وبالذات جزيرة "خارك"
عاصمة تصدير البترول الإيرانى ، وخوض معركة الفتح الإجبارى لمضيق "هرمز"
الذى تتحكم به إيران ، أو الذهاب مع قوات أخرى إلى إغارات برية أخطر ، تقتنص مخزون
إيران من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، ووسط كل هذه التحركات العسكرية
الصاخبة ، أعلن "ترامب" أنه سينسحب من الحرب كلها ، وسواء وافقت إيران على
شروطه أم لم توافق ، أو فتحت مضيق "هرمز" أم استمرت فى التحكم به ، وقال
"ترامب" ببساطة ، أن "مضيق هرمز" ليس من شأن أمريكا ، ودعا من
يستفيدون من فتح المضيق ، أن يقوموا هم بالمهمة التى تنصل منها ، وقصد بذلك شركاء أمريكا
الأوروبيين الذين عارضوا ذهابه لحرب إيران.
وبالجملة ، لم يتراجع "ترامب" فقط لعقاب
الحلفاء الأوروبيين ، بل لأنه بات يدرك عواقب أى محاولة اجتياح إيران بريا جزئيا أو
كليا ، وتلك مهمة تحتاج على الأقل إلى حشد مليون جندى أمريكى ، وما من ضمانات لنجاحها
فى مواجهة مليون جندى إيرانى ، زادتهم إيران إلى خمسة ملايين بفتح باب التطوع فى حملة
"الروح فداء لإيران" ، وربما لذلك يفضل ترامب الانسحاب من إيران إلى قوقعة
أوهامه وفقاعته الشخصية وهلاوسه الخاصة ، بعد أن صدمته جدران العجز المقيم فى ميدان
الحرب وأهوالها .

0 comments:
إرسال تعليق