• اخر الاخبار

    الجمعة، 10 أبريل 2026

    قراءة في سيرة السقوط وبطولات على رقاب العراقيين ..بقلم الكاتب والصحفي والقانوني: أحمد ذيبان أحمد العراقي

     


     

    في مثل هذا اليوم، التاسع من نيسان، تمر علينا ذكرى سقوط النظام الصدامي البعثي عام 2003؛ الحدث الذي غير وجه التاريخ المعاصر للعراق والمنطقة. لقد تم ذلك السقوط على يد قوات الولايات المتحدة وتحالف دولي واسع، حظي بمشاركة ودعم دول إسلامية وعربية شقيقة قبل الدول غير المسلمة، حيث فتحت دول الخليج العربي أراضيها للقواعد الأمريكية، ولم تكتفِ مصر بفتح قناة السويس أمام الأساطيل، بل كانت المشاركة أعمق في ظل حسابات السياسة الدولية آنذاك. سقط رأس النظام، واحتُلت البلاد، ودُمرت البنى التحتية والعسكرية، وفي ليلة وضحاها، تصدرت قوى المعارضة المشهد السياسي لتصبح هي "رأس السلطة"، بعد أن كان أقطابها مطرودين ومطلوبين للنظام السابق. وفي المقابل، تحول من كانوا يحكمون العراق إلى متهمين ومجرمين خلف القضبان، نُفذت في حقهم أحكام الإعدام، وعلى رأسهم صدام حسين. تلك هي الدنيا، دول بين الناس، ويوم لك ويوم عليك، ولا أمان فيها إلا بالحق، فمن لم يجعل الله نصب عينيه، فلن ينفعه الندم حين يطول عليه حبل المظالم.

    أيها القارئ العزيز في كل بقاع الأرض، أدرك تماماً أن هناك انقساماً حاداً حول شخصية صدام حسين؛ فهناك من يراه "البطل المقدام والشهيد"، وفي المقابل هناك من يراه "المجرم الدكتاتوري". وقبل أن أدلي بدويّ رأيي، أؤكد احترامي لكل وجهات النظر، فالاختلاف طبيعة بشرية، لكنني أدعوكم للتجرد من العاطفة، وتنحية الشعارات الحماسية والخطب السياسية جانباً، لننظر إلى الأمور بمنظار "الضمير الحي" والوازع الديني والإنساني. إن طريق الله هو طريق الحق، وإذا غلبت العاطفةُ الدينَ والضمير، ضاعت الحقيقة. فالمولى سبحانه سيحاسب المرء على الصغيرة والكبيرة، ويومها "لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ". دعوني أتحدث من باب الدين والواقع قبل السياسة: نعم، كان صدام حسين يمتلك شخصية قوية وشجاعة، وكان القانون في عهده مهاباً، وتخشاه الدول. لكن، ما نفع هذه "البطولات" إذا كانت النتيجة دماراً شاملاً؟ لقد قاد صدام العراق من حرب إلى أخرى؛ ثماني سنوات مع إيران، ثم غزو الكويت، وصولاً إلى المواجهة الكبرى مع التحالف الدولي. ما فائدة شجاعةٍ أدت إلى دمار اقتصادي وتقني وعلمي وثقافي؟ وما قيمة عظمةٍ بُنيت على رقاب العراقيين، وأعادت البلاد قرناً من الزمان إلى الوراء؟ لقد قال الرسول الكريم صل الله عليه وآله وسلم : "كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته". فأين كانت هذه المسؤولية حين زُجّ بالرعية في حروب استنزافية؟ تلك الحرب مع إيران التي استمرت ثماني سنوات، انتهت بتنازل صدام عما كان يقاتل لأجله، ووقع لطهران على ما كانت تريده مقابل وقف الحرب! ألم يكن أولى أن يحقن دماء العراقيين منذ البداية ويجنب البلاد ويلات لم يخلُ منها بيت عراقي من شهيد أو معوق أو أسير أو مفقود؟  لقد كان الدينار العراقي في السبعينيات أقوى من الدولار بمراحل، حيث كان الدينار الواحد يعادل أكثر من ثلاثة دولارات أمريكية. وبسبب سياسات الحروب والحصار، انهار العملة حتى وصل سعر الصرف إلى مستويات كارثية (حوالي 3000 دينار للدولار آنذاك). والعراق الذي كان في السبعينيات يرسل المساعدات الغذائية والمعونات لدول الجوار، وكان مأوىً ومنبعاً للحضارة يقصده الباحثون عن الرزق والخير، تحول في عهد النظام السابق إلى ساحة لتكميم الأفواه والإعدامات والسجون. وبينما كانت دول الجوار تنطلق نحو آفاق اقتصادية عالمية، كان العراق يغرق في أزماته. حتى أن تقارير اقتصادية دولية أشارت إلى أن العراق، لولا تلك الحروب، لكان بإمكانه "تبليط شوارعه بالذهب" بفضل ثرواته وعقول أبنائه. لست هنا مدافعاً عن الحكومات التي جاءت بعد عام 2003، بل أقول إن تلك الحكومات قدمت لصدام "هدية على طبق من ذهب"؛ لأن سوء إدارتها وفشلها غطى -للأسف- على إجرامه الدكتاتوري في نظر البعض. لو قدمت تلك الحكومات نموذجاً ناجحاً، لظهرت حقيقة الدمار الذي خلفه النظام السابق بشكل أجلى، لكنهم للأسف شاركوا في استكمال مسلسل ضياع العراق علمياً وثقافياً. لقد كان النظام الصدامي يقدس "الرمز" أكثر من أي قيمة أخرى، فمن يتطاول على الذات الإلهية قد ينجو، أما من ينطق بكلمة ضد "القائد" فنهايته الإعدام لا محالة. لقد ضاعت كرامة الأكاديمي، والطبيب، والمهندس، والقانوني، والصحفي، تحت وطأة الإعلام العسكري والسلطوي الذي جعل من الجميع "هواء في شبك". ختاماً، إن الحديث عن تلك الحقبة يحتاج إلى "أقلام من شجر وأنهار من مداد" للإحاطة بحجم الجرائم الإنسانية التي ارتكبت باسم "البطولة" على حساب دماء الأبرياء.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: قراءة في سيرة السقوط وبطولات على رقاب العراقيين ..بقلم الكاتب والصحفي والقانوني: أحمد ذيبان أحمد العراقي Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top