• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 14 أبريل 2026

    الصمت لغة الموجودين ..بقلم: نوري جاسم

     


    ليس الصمت غيابًا، كما يظن كثيرون، بل حضورٌ من نوعٍ آخر؛ حضورٌ لا يحتاج إلى ضجيج ليُثبت نفسه، ولا إلى كلماتٍ متراكمة ليُعلن عن وجوده. الصمت لغة الذين امتلأت أرواحهم حتى لم تعد الكلمات تتسع لما في داخلهم، لغة الذين أدركوا أن الحقيقة أعمق من أن تُقال، وأن الشعور الصادق أصدق من أن يُشرح. في عالمٍ يتسابق فيه الناس على الكلام، يختار بعضهم الصمت لا لأنهم عاجزون، بل لأنهم تجاوزوا مرحلة الإثبات، ووصلوا إلى يقينٍ هادئ بأن الوجود لا يُقاس بما نقول، بل بما نكون.

    الصمت عند هؤلاء ليس انسحابًا من الحياة، بل انغماسٌ أعمق فيها؛ هو إنصاتٌ لما وراء الظواهر، قراءةٌ لما بين السطور، ووعيٌ يتشكل في المساحات التي تعجز الكلمات عن بلوغها. إنهم يصغون للأشياء كما هي، بلا تشويش، بلا أحكام مسبقة، فيرون ما لا يراه المتكلمون، ويشعرون بما لا يشعر به المستعجلون في إطلاق العبارات. الصمت هنا يصبح أداة معرفة، وطريقًا لاكتشاف الذات والعالم، وجسرًا خفيًا يصل الإنسان بجوهره الحقيقي.

    ولأن الصمت بهذا العمق، فإنه ليس سهلًا، بل يحتاج إلى قوة داخلية كبيرة. فالكلام أحيانًا يكون مهربًا، أما الصمت فهو مواجهة؛ مواجهة مع النفس، مع الأسئلة المؤجلة، مع القلق الذي نحاول تغطيته بضجيج الحديث. لذلك، لا يصمت إلا من استطاع أن يصالح ذاته، أو على الأقل أن يواجهها دون خوف. الصمت بهذا المعنى شجاعة، لأنه يضع الإنسان أمام حقيقته دون أقنعة.

    ومع ذلك، فإن الصمت ليس دائمًا نورًا، فقد يتحول في بعض الأحيان إلى جدارٍ يعزل الإنسان عن الآخرين، إذا لم يُفهم أو إذا طال أكثر مما ينبغي. فهناك فرق بين صمتٍ ينبع من الامتلاء، وصمتٍ يولد من الانكسار؛ بين صمتٍ يعبّر عن وعي، وصمتٍ يخفي عجزًا أو خوفًا. لذلك، فإن الحكمة ليست في الصمت المطلق، بل في التوازن بين الصمت والكلام، في معرفة متى نصمت لنفهم، ومتى نتكلم لنُفهِم.

    إن الذين يجيدون الصمت لا يحتقرون الكلام، بل يقدّرونه، لأنهم يعرفون أن الكلمة الحقيقية لا تولد إلا من رحم الصمت. فكل فكرة عميقة، وكل موقف ناضج، وكل إحساس صادق، يحتاج إلى لحظة سكون قبل أن يتحول إلى تعبير. ومن هنا، يصبح الصمت أصل اللغة، وجذر المعنى، والفضاء الذي تتشكل فيه الكلمات قبل أن تخرج إلى العالم.

    الصمت لغة الموجودين حقًا، أولئك الذين لا يطلبون الاعتراف من الخارج، لأنهم وجدوا توازنهم في الداخل؛ الذين لا يلهثون وراء إثبات ذواتهم، لأنهم أدركوا أن القيمة لا تُمنح بالصوت العالي، بل تُبنى بالصدق والاتساق. إنهم حاضرون حتى في صمتهم، مؤثرون دون أن يرفعوا أصواتهم، عميقون دون أن يكثروا الشرح.

    في زمنٍ يزداد فيه الضجيج، يصبح الصمت موقفًا، بل رسالة؛ رسالة تقول إن الإنسان ليس بما يقول فقط، بل بما يختار أن لا يقوله أيضًا. وبين الكلمات التي تُقال، والمساحات التي تُترك صامتة، تتجلى حقيقة الإنسان: هل هو ممتلئ بما يكفي ليصمت، أم فارغ بما يكفي ليُكثر الكلام؟ هنا، في هذه المسافة الخفية، تتحدد قيمة الوجود، ويُفهم معنى أن يكون الصمت… لغة الموجودين. وصلى الله على سيدنا محمد الوصف والوحي والرسالة والحكمة وعلى آله وصحبه وسلم تسليما  ..

     

     

     

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الصمت لغة الموجودين ..بقلم: نوري جاسم Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top