لم تكن الحكاية
مجرد خبر عابر على شريط الحوادث،أو على منصات التواصل الإجتماعى ولا واقعة تطوى مع
زحام الأيام، بل كانت صرخة مكتومة خرجت أخيرا من صدر أنهكته الخيبات. هكذا رحلت بسنت
سليمان من الطابق الثالث عشر بالإسكندرية، تاركة خلفها سؤالا ثقيلا لا يسقط ؛ كيف يصل
الإنسان إلى لحظة يختار فيها إنهاء حياته بيديه؟
فيديو انتحار بسنت سليمان..تابعته..واجبرنى بالدخول
الى صفحتها الشخصية على (الفيس بوك)وجدت فتاة فى الثلاثينيات من عمرها جميلة..ولديها
طفلتين ومطلقة..كتبت وصيتها الأخيرة خلوا بالكم من بناتي..وتحدثت فى البث الذي ظهرت
فيه عن أنها سوف تنتحر الآن من الدور الـ 13، وسردت معاناة تعيشها، وظلم تعرضت له من
أشخاص لم تسمهم، وظلت تدعو عليهم وتصفهم بأنهم ضيقوا عليها حياتها.ورمت نفسها من الدور
الثالث عشر
#هنا أتطرق
إلى التحليل النفسي.." حين تضيق الروح ولا تجد منفذا".
يا سادة..الإنسان
لا ينتحر فجأة، بل يتآكل ببطء. تتراكم عليه الضغوط، تتكاثر داخله الأسئلة بلا إجابات،
حتى يصل إلى ما يسميه علماء النفس “النفق المظلم” حيث يرى الألم دائما، ولا يرى مخرجا.
بسنت، كما
بدا في بثها، لم تكن تبحث عن الموت بقدر ما كانت تبحث عن حياة أخرى داخل الحياة نفسها.
كانت تتشبث بكلمة، بتعليق، بيد تمتد من خلف الشاشة. كانت تنتظر من يقول لها؛ توقفي..
نحن هنا.تلك اللحظة التي يقرأ فيها الإنسان التعليقات وكأنها طوق نجاة، هي أخطر لحظة
على الإطلاق. لأنها تعني أن قراره لم يكتمل، وأنه ما زال يريد العودة.. لكنه لم يجد
الطريق..ووضح ذلك من خلال التعليقات على بثها.
#أما التحليل
المجتمعي" قسوة افتراضية بقلوب حقيقية".
المجتمع
لم يعد فقط في الشارع، بل صار في الهاتف.ومن المؤسف أن كثيرا من هذا “المجتمع الرقمي”
فقد إنسانيته..فوجدنا تعليقات ساخرة، كلمات جارحة، استهزاء بمعاناة إنسان يقف على حافة
النهاية.. وكأن البعض لا يدرك أن الكلمة قد تقتل.
#يا_سادة؛
نحن أمام أزمة حقيقية..
تحول فيها
الإنسان من كائن يشعر إلى كائن يتفاعل فقط..يضغط إعجابا أو يكتب سخرية، دون أن يتخيل
أن خلف الشاشة قلبا قد ينكسر فعلا.لو أن بسنت وجدت كلمة رحيمة، ربما تغير المشهد كله.لكنها
لم تجد.. فسقطت.
#أما التحليل
الديني (حين يغيب اليقين يشتد الألم)..فالدين لم يترك الإنسان في لحظة ضعفه، بل خاطبه
في أشد لحظات الانكسار. يقول الله تعالى“ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيما”ويقول
أيضا“ولا تيأسوا من روح الله إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون”
فالانتحار
في ميزان الدين ليس مجرد فعل، بل هو لحظة فقدان للثقة في رحمة الله، ولحظة غياب للأمل
الذي جعله الله عبادة في حد ذاته.
لكن هنا
يجب أن نفهم؛الدين لا يدين الضعيف بقدر ما يدعوه للنجاة.
والإنسان
حين يصل إلى هذه اللحظة، لا يكون كافرا بالحياة، بل يكون غارقا في الألم إلى حد العمى.
وأخطر ما
في قصة بسنت أنها لم تكن قد حسمت قرارها.كانت تتعلق بقشة..
والقشة هنا
لم تكن سوى كلمة.
كلمة رحمة..
كلمة دعم..
كلمة إنسانية.
لكنها لم
تأت.
فسقطت القشة..
وسقطت معها.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛رسالتى
إلى المقهورين..إلى كل من يظن أن النهاية هي الحل..ليست كل الطرق المغلقة نهايات، بعضها
مجرد منعطفات لم ترها بعد.
إلى كل من
يشعر أنه وحيد؛هناك دائما باب مفتوح، حتى وإن تأخر من يطرقه.
وإلى كل
من يكتب كلمة على مواقع التواصل؛
انتبه..
قد تكون
كلمتك حياة لإنسان.. أو نهايته.
رحلت بسنت..
لكن قصتها
باقية، تذكرنا أن الإنسان لا يحتاج الكثير لينجو..
فقط يحتاج
قلبا يشعر.

0 comments:
إرسال تعليق