• اخر الاخبار

    الأحد، 12 أبريل 2026

    بعد مئة عام من الزلزال…بقلم: محمد فتحى السباعى

     


    كيف حوّل طه حسين الشعر إلى قضية رأي عام؟

    في عام 20 26، قد يبدو غريبًا أن كتابًا عن “الشعر” يمكن أن يشعل برلمانًا، ويستفز مؤسسة دينية عريقة، ويصل بصاحبه إلى أروقة التحقيق. لكن قبل مئة عام، وتحديدًا في 1926، لم يكن الأمر مجرد كتاب… بل كان اختبارًا حقيقيًا لقدرة المجتمع المصري على احتمال السؤال.

    لم تكن مصر آنذاك هادئة. كانت دولة خارجة لتوّها من صدمة ثورة، تتشكل فيها ملامح السلطة بين القصر والأحزاب، ويتنازع وجدانها تياران: تيار يحتمي بالتراث، وآخر يسعى إلى مساءلته. في قلب هذا التوتر، ظهر كتاب «في الشعر الجاهلي»، ليضع عود الثقاب في برميل ممتلئ أصلًا.

    لم يكن مؤلفه، طه حسين، مجرد أكاديمي يعرض رأيًا. كان مشروعًا فكريًا كاملًا تشكّل بين صعيد مصر وأروقة جامعة القاهرة، ثم نضج في رحاب جامعة السوربون، حيث تشرّب مناهج التفكير النقدي الحديثة، وعلى رأسها منهج رينيه ديكارت القائم على الشك بوصفه طريقًا إلى اليقين.

    حين عاد، لم يكتفِ بنقل المنهج… بل قرر اختباره في أكثر مناطق الثقافة العربية حساسية: “الشعر الجاهلي”. وهنا كانت الصدمة.

    طرح حسين فرضية بدت للكثيرين أقرب إلى الهدم منها إلى البحث: أن جانبًا كبيرًا مما نعدّه شعرًا جاهليًا، ليس جاهليًا بالمعنى التاريخي، بل صيغ في عصور لاحقة، تحت تأثير صراعات سياسية ومذهبية وقبلية. لم يكن ذلك مجرد رأي في الأدب، بل مساسًا غير مباشر بالبنية التي يستند إليها فهم اللغة، ومن ثم فهم النص الديني ذاته.

    أسباب الشك التي طرحها بدت، في ظاهرها، عقلانية:

    صراعات الفرق الإسلامية التي قد تدفع إلى اختلاق نصوص، نزعات القبائل في تمجيد أصولها، ضعف الثقة في بعض الرواة، بل وحتى غرابة بعض الروايات التي تنسب الشعر إلى “الجن”. غير أن خطورة الطرح لم تكمن في هذه التفاصيل، بل في المنطقة التي اقترب منها لاحقًا: العلاقة بين النصوص التراثية، والسرديات الدينية، وإمكانية إخضاعها لمنهج الشك.

    هنا، لم يعد الجدل أدبيًا.

    اعتبرت الأزهر الشريف أن الكتاب يتجاوز حدود البحث إلى المساس بثوابت، فصدر الرفض حادًا. وفي المقابل، لم يصمت المجال الثقافي؛ إذ تصدّى له أدباء بارزون، على رأسهم مصطفى صادق الرافعي، الذي رأى أن حسين لم يطبق منهج الشك بقدر ما سعى إلى تثبيت نتائج مسبقة.

    لكن المفارقة أن المعركة لم تتوقف عند حدود الفكر، بل سرعان ما انزلقت إلى السياسة. في برلمان تهيمن عليه صراعات الأحزاب، وجد خصوم الحكومة في الكتاب فرصة للهجوم، فتحوّل النقاش من “هل هذا صحيح علميًا؟” إلى “هل هذا خطر على الأمة؟”.

    بلغ التوتر ذروته عندما أُحيل طه حسين إلى التحقيق. لم يكن المشهد مجرد مساءلة قانونية، بل مواجهة بين تصورين: هل يُحاسب الباحث على ما يصل إليه من نتائج؟ أم يُحاسب فقط إذا ثبتت نيته في الإضرار؟

    الإجابة جاءت في قرار تاريخي أصدره وكيل النيابة محمد نور، الذي انتهى إلى حفظ التحقيق لانتفاء القصد الجنائي، مؤكدًا أن ما طُرح يندرج في إطار البحث العلمي، حتى وإن شابه الخطأ. كان ذلك القرار، في جوهره، لحظة مبكرة لترسيخ فكرة أن حرية التفكير لا تُقاس بمدى الاتفاق، بل بمدى القدرة على الاحتمال.

    بعد الأزمة، أعاد حسين نشر الكتاب بعنوان «في الأدب الجاهلي»، مع حذف بعض المقاطع الأكثر إثارة للجدل، دون أن يتراجع عن جوهر منهجه. ومع مرور السنوات، لم يتوقف تأثير الكتاب عند حدود معركته الأولى، بل امتد ليصبح علامة فارقة في تاريخ النقد العربي الحديث.

    واليوم، بعد قرن كامل، لم تعد الساحة الفكرية تقف عند أحد طرفي النقيض. تميل الدراسات الحديثة إلى موقف أكثر تركيبًا: لا يمكن التسليم بصحة كل ما نُسب إلى الجاهلية، كما لا يمكن، في المقابل، رفضه جملة واحدة. بل إن الشعر الجاهلي، كما يُنظر إليه الآن، نتاج عملية نقل وتدوين معقدة، خضعت للتعديل والانتقاء عبر العصور.

    لكن، ربما، لا تكمن القيمة الحقيقية لهذا الكتاب في نتائجه، بقدر ما تكمن في سؤاله.

    لقد وضع طه حسين المجتمع أمام معضلة لا تزال قائمة:

    هل يمكن قراءة التراث بعين نقدية دون أن يتحول ذلك إلى صدام مع المقدس؟

    وأين ينتهي حق الباحث في الشك، ويبدأ حق المجتمع في حماية ثوابته؟

    في زمن تتسارع فيه الأحكام، وتُختزل فيه الأفكار في عناوين سريعة، يبدو استدعاء تلك المعركة ضروريًا، لا لاستعادتها، بل لفهمها. لأن ما حدث في 1926 لم يكن مجرد أزمة كتاب، بل كان لحظة اختبار لعلاقة العقل بالتراث… وهي علاقة لم تُحسم بعد.

    وربما، لو طُرح السؤال نفسه اليوم، لن تختلف الإجابة كثيرًا:

    لسنا نختلف فقط حول ما قاله الكتاب… بل حول حقه في أن يُقال.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: بعد مئة عام من الزلزال…بقلم: محمد فتحى السباعى Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top