في صباحات
الوطن التي لا تعرف الفرقة، يطل علينا سبت النور حاملا معه معنى عميقا يتجاوز حدود
الطقوس إلى رحابة الروح المصرية التي عرفت عبر العصور كيف تنسج من التنوع لوحة واحدة
اسمها المحبة. وفي هذه الأيام المباركة، نتقدم بخالص التهاني إلى إخوتنا الأقباط بمناسبة
عيد القيامة المجيد، ذلك العيد الذي يحمل في جوهره رسالة الحياة والانبعاث، تماما كما
تحمل مصر في قلبها قدرة دائمة على التجدد رغم كل ما يمر بها.
وليس غريبا
أن تتجاور الأعياد في هذا الوطن، فيلتقي نور القيامة مع نسائم الربيع، حيث يخرج الجميع
إلى فضاء واحد، لا يسألون عن دين ولا يفتشون في الهوية، بل يكتفون بأن يكونوا مصريين.
هنا، يصبح شم النسيم امتدادا طبيعيا لفرحة العيد، ويصير الاحتفال مناسبة جامعة، تختلط
فيها البهجة بالذكريات، والطقوس الدينية بالعادات الشعبية التي توارثناها جيلا بعد
جيل.
نتذكر جيدا
كيف كانت القرى المصرية تستيقظ فجر سبت النور، على حركة غير عادية، كأن الحياة تبدأ
من جديد. رجال ونساء وأطفال يخرجون مع أول خيط ضوء، يتجهون إلى الترع أو إلى ما كان
يعرف بالبحر، يغتسلون في مياهه الباردة، وكأنهم يتطهرون استعدادا لاستقبال الربيع،
في مشهد بسيط لكنه عميق الدلالة، يعكس صفاء النية ونقاء القلوب.
ثم يأتي
يوم الاثنين، يوم شم النسيم، حيث تتحول البيوت إلى خلية نشاط. رائحة الفسيخ والرنجة
تملأ الأجواء، والملاحة تتصدر الموائد، والبيض الملون يزين الأيدي الصغيرة قبل الكبيرة،
في طقس يحمل رمزية الحياة والفرح. تخرج الأسر إلى الحقول والحدائق وعلى ضفاف النيل،
يفترشون الأرض، يضحكون، يتبادلون الطعام والذكريات، وكأنهم يحتفلون بالحياة نفسها.
في تلك اللحظات،
لا يكون هناك فرق بين مسلم ومسيحي، بل عائلة واحدة تتقاسم الفرح. فالوطن، في جوهره،
ليس مجرد أرض، بل هو هذا النسيج الإنساني الذي يتماسك في الأعياد قبل الأزمات، ويثبت
أن القوة الحقيقية ليست في الاختلاف، بل في القدرة على تحويله إلى تناغم.
هكذا علمتنا
مصر، أن الأعياد ليست فقط مناسبات دينية، بل محطات إنسانية نعيد فيها اكتشاف أنفسنا
والآخرين. ومع كل سبت نور، ومع كل نسمة ربيع، تتجدد فينا القناعة بأن هذا الوطن سيبقى،
ما بقيت فيه قلوب تعرف معنى المحبة، وتؤمن أن الفرح إذا لم يتسع للجميع، فقد معناه.
#فى_النهاية_بقى_أن_أقول
؛ كل عام وإخوتنا الأقباط بخير، وكل عام ومصر بخير، وطنا يحتفل بالحياة، ويصون إنسانيته
قبل أي شيء آخر.

0 comments:
إرسال تعليق