تناقلت منصات
التواصل الاجتماعي قبل فتره مقطعاً مصوراً، يندى له الجبين، في مصر الحبيبة لتجارٍ يلقون بآلاف الأطنان من محصول
الطماطم وما يسمى في بعض الدول العربية ( البندوره)
في غياهب الصحراء، عمداً، وبدم بارد. لم يكن هذا
الفعل نتاج كسادٍ أو فساد المحصول، بل خُطّة دنيئة لتعطيش السوق ورفع الأسعار قسراً.
واليوم، يتكرر المشهد بصورة أكثر إيلاماً في عراقنا الجريح. فبذريعة التوترات الإقليمية
والحروب الدائرة، سارع بعض تجار الأزمات إلى رفع أسعار المواد الغذائية والخضروات الأساسية
بصورة جنونية، ليتجاوز سعر كيلو الطماطم حاجز الـ 3000 دينار عراقي. المفارقة الصارخة
أن الدول التي تخوض غمار تلك الأزمات مباشرةً لم تشهد هذا الانفلات السعري والجشع الفاحش
الذي يمارسه أبناء جلدتنا، الذين يستغلون أنين الوطن وأوجاع المواطن بلا رحمة ولا إنسانية.
ولأن "الشعوب إذا أرادت الحياة فلا بد أن يستجيب القدر"، انتفض الشعب العراقي
بوعيه، وقرر مقاطعة التجار الجشعين، معلناً إضراباً شاملاً عن شراء الطماطم. فكانت
النتيجة حتمية؛ كُدست بضائعهم على قلوبهم المريضة وأنفسهم الضعيفة، وانهارت الأسعار
من 3000 إلى 500 دينار عراقي للكيلو الواحد. وما زالت المقاطعة مستمرة، درساً بليغاً
في قوة الإرادة المجتمعية، وإلى جهنم وبئس المصير لكل من يتاجر بقوت الفقراء.
هذه الظاهرة
ليست حكراً علينا؛ فالمتتبع للدول العربية والإسلامية يجد أنفة الجشع والطمع والاستغلال
ذاتها. وفي المقابل، نرى ما نسميها "دول الكفر" الغربية، يسودها التكاتف
المجتمعي والرقابة الصارمة. فالمحتكر يُعاقب، والفاسد يُنبذ، لدرجة أن مسؤولين كباراً
يُلقون في سلات المهملات إذا ثبت تقصيرهم. بما فيهم الوزراء . بل حتى الرئيس او رئيس
الوزراء لا يسلم من المحاسبة والمراقبة . فأمام هذا التباين الأخلاقي، أتساءل بمرارة:
اذن من هو الكافر الحقيقي؟؟!!
أتذكر إبان
جائحة كورونا، كيف بادرت دول الغرب وشرق آسيا بتوزيع الكمامات مجاناً على شعوبها. بينما
في العراق، قفز سعر الكمامة من 100 دينار إلى 1500 و 3000 وحتى 5000 دينار عراقي! استغلالاً
مريضاً للأزمة الصحية والخطر الداهم. فأي إسلام هذا الذي يدّعونه؟! اذن من هو الكافر الحقيقي؟
الحياة في
بلادهم، وإن كانت تتطلب عملاً شاقاً لتأمين المتطلبات، إلا أنها تنعم بقيم الإنسانية
والمحبة والسلام بين الجميع، بغض النظر عن الدين أو المعتقد أو العرق. الكل يعيش بأمان،
وفي المقابل، نعيش في بلادنا الغنية بالخيرات حالة من التناحر والبغضاء والتمييز. نعم،
هناك نماذج سلبية عندهم، لكنها لا تقارن بالنسب التي نعيشها. اذن من هو الكافر الحقيقي؟؟!!
انظروا إلى
منظوماتهم الصحية؛ مستشفيات حكومية متطورة، أطباء مخلصون، رعاية فائقة، وتوافر للأدوية
والمستلزمات، دون جشع أو طمع، بضمير حي وروح إنسانية. بينما في دول الشرق الأوسط، المريض
البسيط يواجه مصير الموت المحتوم. المستشفيات بلا خدمات، الأطباء (إلا من رحم ربي)
يفتقدون للرحمة، ويدفعون المواطن نحو عياداتهم الخاصة وصيدلياتهم الخارجية بأسعار فلكية،
غير مكترثين بمعاناته. الأسوأ من ذلك، أن كليات الطب والصيدلة الأهلية والمسائية في
العراق تحولت إلى تجارة رخيصة بأسعار خيالية، يصل التقديم عليها من ستة مليون الى تسعة
مليون عراقي لتخريج أطباء وصيادلة همّهم الوحيد جني المال والاستغلال. اذن من هو الكافر
الحقيقي؟؟!!
لقد استشرى
الفساد والسرقة، وساد الجشع والظلم والقتل، وانتشرت الفتن والخبائث ما ظهر منها وما
بطن. والأدهى من ذلك، أن كل هذه الموبقات تُمارس "باسم الدين"؛ السرقة باسم
الدين، القتل باسم الدين، والظلم باسم الدين. فهل بقي للدين قدسية لدى هؤلاء؟ اذن من
هو الكافر الحقيقي؟
أليس من
العار علينا أن نهين أنفسنا وديننا، ونصل إلى هذا الدرك السحيق من الوحشية والقسوة
والفساد، ثم نتبجح بالكلام باسم الدين، ونكفر الغرب والشرق، ولا نسلم دولة في العالم
من شتائمنا وقذفنا وتحقيرنا؟! ونحن في أشد العداوة والبغضاء والحقد والاستغلال في مابيننا،
وبدون خجل نتهم غيرنا بالكفر والارتداد والإلحاد! اذن من هو الكافر الحقيقي؟؟!!
لقد تجلت
عدالة السماء في أن منحتهم العلو والتقدم، وبقينا نحن قابعين في بئر الظلام، ضحايا
لجشعنا وطمعنا وظلمنا. اذن من هو الكافر الحقيقي؟؟!!
صدق الله
العظيم إذ يقول: (مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ۖ وَمَا أَصَابَكَ مِن
سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ ۚ)،
ويقول أيضاً:
(وَاللَّهُ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَٰكِنَّ النَّاسَ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).

0 comments:
إرسال تعليق