في زمنٍ
تتسارع ف يه الخطى نحو التقدم، لا يزال هناك من يصر أن يعود إلى الخلف، إلى عصور
الظلام، حيث تباع الأوهام على أنها قدر، ويغلف الخداع بثوب الغيب.. إنه زمن السحر،
لا ذاك الذي في الحكايات، بل السحر الذي يتسلل إلى العقول والقلوب، فيفسدها دون أن
يشعر أصحابها.
السحر،
في جوهره، ليس مجرد طلاسم تتلى أو عقد تعقد، بل هو عدوان صريح على الفطرة، وتحدٍ
لإرادة الله، ومحاولة بائسة للسيطرة على مصائر البشر بغير حق. وقد جاء التحذير منه
صريحا في كتاب الله، حين قال تعالى﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ
النَّاسَ السِّحْرَ﴾ فالسحر هنا ليس علما، بل كفر وضلال، تلقنه الشياطين لمن باعوا
ضمائرهم، فصاروا أدوات للشر، يعبثون بحياة الناس، ويزرعون الشك في القلوب، ويهدمون
البيوت تحت ستار "فك الأعمال" و"جلب الحبيب".ويا للعجب.. كيف
يصدق البعض أن ورقةً مدفونة أو تعويذة مكتوبة قادرة على تغيير قدرٍ كتبه الله؟!
ألم يقل
سبحانه"وَإِن يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ"إن
من يلجأ إلى السحر، أو يذهب إلى ساحر، إنما يفر من باب الله إلى أبواب الوهم، ومن
نور اليقين إلى ظلمات الشك، فيخسر دنياه قبل آخرته.
وإذا
كان السحر قديما يمارس في الخفاء، فإن له اليوم وجها جديدا، أكثر خبثا وأشد خطرا..
صفحات وهمية على مواقع التواصل الاجتماعي، تدار بأسماء مستعارة، وصور مزيفة،
وكلمات منمقة، لكنها في حقيقتها لا تقل خطرا عن السحر ذاته.هؤلاء لا يكتبون طلاسم،
بل يصنعون أوهاما رقمية..ينشرون الشائعات، ويبتزون الأبرياء، ويخدعون البسطاء،
ويزرعون الفتن بين الناس.إنهم سحرة العصر الحديث… لكن أدواتهم ليست أوراقا ولا
بخورا، بل حسابات مزيفة وشاشات مضيئة.تلك الصفحات تزيف الوعي، وتغتال الحقيقة، وتفكك
المجتمع من الداخل.فكم من سمعة طاهرة شوهت بسبب منشور كاذب،وكم من بيت تفرق بسبب
رسالة مجهولة،وكم من شاب ضل طريقه خلف وهمٍ صنع بإتقان!وهنا تتجلى الحكمة الإلهية
في قوله تعالى"يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ
بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا".
فالتبين
اليوم لم يعد رفاهية.. بل ضرورة، في عالمٍ امتلأ بالوجوه المزيفة.
فى النهاية
بقى أن اقول؛ ؛ إن المعركة الحقيقية ليست
فقط ضد السحر، بل ضد كل أشكال الخداع.. سواء كانت طلاسم تقرأ في الظلام، أو
منشورات تكتب في الضوء.والمجتمع الذي لا يحصن أبناءه بالوعي، ولا يزرع فيهم
اليقين، سيظل فريسة سهلة لهؤلاء..
سحرة
الأمس.. ومزيفي اليوم..فلنعد إلى النور..إلى الإيمان الصادق، والعقل الواعي،
والكلمة الصادقة.فلا (سحر) يضر، ولا (وهم) يدوم،إذا كان القلب معلقا بالله،والعقل
يقظا لا يخدع،والضمير حيا لا يشترى.

0 comments:
إرسال تعليق