قبل سنوات ليست بعيدة ، أطلقت تعبير"العروبة المريبة" ، وقصدت به أصواتا وتيارات وأنظمة حكم ، ملأت وتملأ الدنيا صياحا باسم العروبة ، وهى منهم براء ، فقد كان أغلبهم من أعدى أعداء العروبة زمن الصعود القومى العربى ونهوض التيار القومى والحركة القومية العربية ، وعلى مدار ربع قرن من نكبة 1948 إلى حرب أكتوبر 1973 ، كانت مصر زمن جمال عبدالناصرهى القاعدة ونقطة الارتكاز الكبرى للمشروع القومى العربى ، وجرت مواجهة القائد والمشروع بحملة تكفير وشيطنة كاسحة ، ومن ذات أصوات العروبة المزيفة اليوم ، التى لم تصدر وقتها عن إخلاص للإسلام ولا لأى دين ، فقد كان دينها ـ ولا يزال ـ هو مصالحها وعروشها وكروشها ، ولجأت إلى تزييف معنى الإسلام ، ووضعه كعنوان لأحلاف بريطانية فأمريكية معادية لكل نهوض قومى عربى ، وللنزعة العروبية التحررية التقدمية التى أقامت الوحدة المصرية السورية كأول تجربة من نوعها فى التاريخ العربى الحديث والمعاصر ، وجرت عملية انفصال سوريا بدعم مباشر من أصحاب "العروبة المريبة" اليوم ، إضافة لعشرات من محاولات اغتيال القائد جمال عبد الناصر ، ولم يكن هؤلاء يعملون من رأسهم وقتها ، بل فى سياق خطط استعمارية و"إسرائيلية" ، فقد كان عبد الناصر يؤمن ويعلن ، أن أمريكا هى إسرائيل والعكس بالعكس ، وأن العمل من أجل تحرير فلسطين مشواره طويل ، يبدأ بالمقاطعة التامة لكيان الاغتصاب "الإسرائيلى" ، والدعم المتصل لحركات المقاومة الفلسطينية والعربية لكيان الاحتلال ، ثم قبل ذلك ومعه وبعده ، أن تبنى قاعدة علمية وصناعية وتكنولوجية مدنية وحربية ، تختصر طريق اللحاق بسباق العصر وفنونه وعلومه ، وتعزز المقدرة على إنزال الهزيمة بالعدو .
وقد كان تعيين عبد الناصر للعدو لافتا ، كان يقول
أن العدو ثلاثى الأطراف والصور ، أمريكا فى القلب ، و"إسرائيل " على يمينها
والرجعية العربية على يسارها ، وهو ما أثبتت الأيام والليالى والنوازل صحته بعد رحيل
عبد الناصر ، وانكسار المشروع القومى العربى بعد حرب 1973 بالذات ، وخذلان السياسة
لنصر السلاح ، وتضخم فوائض المال البترولى ، واستخدام الثروات الريعية لتصفية الحساب
مع عبد الناصر وعصره وقيمه ، التى لم تكن ترى فى نداء التوحيد العربى مجرد جمع لأرقام
أو لأصفار ، بل دعوة لتغيير كلى شامل فى الحياة العربية ، وإقامة مجتمع أو مجتمعات
العلم والعدالة والإنتاج والتقدم ، وجعل الوحدة الوطنية فى كل قطر عربى أساسا راسخا
لهدف التوحيد القومى ، وقد انهار ذلك كله مع انكسار المشروع القومى العربى ، ومع تفكيك
ركائز العلم والإنتاج ، ومع عقد ما أسمى معاهدات السلام مع العدو "الإسرائيلى"
، وكان فى ذلك كله خروجا من التاريخ وسباقاته وسياقاته الحية ، وإدخال الأمة فى عصور
تيه سابغ وعمى ألوان وصور ، لم تعد تميز فيه بين أعداء وأصدقاء ، بل جرى افتعال عداوات
مع أطراف أخرى ، وإحلالها فى أولويات العداوة محل الأعداء الأصليين ، وبحسب أولويات
المصالح الأمريكية "الإسرائيلية" ، كإحلال إيران "الإسلامية" محل
"إسرائيل" ، بل وجعل "إسرائيل" حليفا وصديقا ومحاربا ضد ما يسمونه
"العدو الإيرانى" ، مع أن إيران دولة طبيعية أصيلة قديمة فى جغرافيا وتاريخ
المنطقة ، وليست كيانا مصطنعا طارئا كالكيان "الإسرائيلى" ، قام بقوة السلاح
والنار ، ويحتل أوطانا مجاورة بعد احتلال فلسطين وطرد شعبها ، وينفذ مذابح الإبادة
الجماعية ، وهو المسلح حتى الأسنان بالسلاح النووى ، وهو الخطر الأولى بالمواجهة ،
إن كنا نريد لهذه الأمة العربية قيامة من رقدتها وركودها التاريخى المقيم .
وقد تكون من دواع فعلية لخصومة مع إيران الحالية
، مبعثها توسع المشروع الإيرانى على حساب بعض أقطارنا ، لكن اللوم لا يقع على إيران
وحدها ، فلا لوم على الناهضين فى التاريخ بقدر ما يقع الذنب على رءوس القاعدين ، فلم
يتوسع النفوذ الإيرانى ولا تمددت خرائطه إلا بسبب أنظمة العروبة المريبة ، التى تتصور
أن أبواب التاريخ المغلقة تفتح بدفاتر الشيكات ، وليس بالانخراط فى سباق العصر وعلومه
وتقنياته ، لا بالافتراء على العروبة وأسسها وقيمها ، والإيغال فى تدمير الأقطار العربية
، على نحو ما جرى فى تسهيل الغزو الأمريكى للعراق ، ودعم المجهود الحربى الأمريكى
، أو فى بث فتن التفرقة بين السنة والشيعة العرب ، وقد دفعت فيها عشرات ومئات المليارات
من الدولارات ، إضافة لإنشاء ودعم جماعات التكفير والإرهاب ، وإلى إشعال الحروب الداخلية
، على نحو ما جرى ويجرى فى العراق وسوريا واليمن والسودان وليبيا وغيرها ، وتقسيم المقسم
أصلا ، وتجزئة الأقطار إلى طوائف وقبائل وأمم صغرى ، على طريقة ما فعل ويفعل الصارخون
اليوم باسم "العروبة المريبة" ، مع قيامهم بدور وكيل أعمال "إسرائيل"
فى المنطقة ، وقد كان أسلاف هؤلاء من خدم نظام الشاه الإيرانى المحتل لأراض وجزر عربية
الأصل ، وكانوا يقدمون له فروض الولاء والطاعة ، ويأتمرون بأوامره فى محاربة المشروع
القومى العربى وزعامة جمال عبد الناصر .
نعم ، "العروبة المريبة" دولا وجماعات
وتيارات ، تفترى على العروبة الحقة وقيمها التاريخية ، فقد كان جمال عبد الناصر على
عداء مطلق مع نظام الشاه الإيرانى ، ليس لأنه يمثل دولة غالبيتها الساحقة من المسلمين الشيعة ، بل لأن نظام الشاه كان "شرطى
الخليج" الخادم لكيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، وكان عبد الناصر داعما
قويا للتيارات الوطنية الإيرانية المعارضة لحكم الشاه ، وأيد قرار رئيس الوزراء الإيرانى
"د. محمد مصدق" أوائل الخمسينيات بتأميم قطاع البترول الإيرانى ، بينما حكم
الشاه كان يزود "إسرائيل" باحتياجاتها من البترول سرا وعلنا ، وإلى أن أقدم
الشاه على خطوة الاعتراف بإسرائيل عام 1960 وتبادل العلاقات الرسمية معها ، وهو ما
رد عليه عبد الناصر بقطع العلاقات مع إيران الشاهنشاهية ، ودعم أحزاب وجماعات "الجبهة
الوطنية" الوريثة لخط محمد مصدق ، الذى أطلق اسمه تكريما له على واحد من أهم شوارع
القاهرة الكبرى ، وكان مثالا تحرريا ممتازا فى عصره ، ولم تحل المذهبية الشيعية السائدة
فى إيران من دون التواصل الشعبى ، فقد كان للجامع الأزهر فى عهد عبد الناصر قصب السبق
فى التقريب المذهبى ، وأصدر الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر فتواه الشهيرة عام 1958
، التى أفتى فيها بجوار التعبد على المذهب الشيعى الجعفرى الأكثر انتشارا بين شيعة
إيران وشيعة الأقطار العربية ، وكانت الفتوى بمثابة إنهاء لقطيعة دينية اتصلت لمدة
13 قرنا وأكثر قبلها ، وقصا لدابر الفتن بين المسلمين ، التى اعتاد الاستعمار البريطانى
والأمريكى و"الإسرائيلى" على استخدامها فى نشر سياسة "فرق تسد"
، وهو ما يعمل وعمل عليه دعاة "العروبة المريبة" اليوم ، ويقدمون من حيث
لا يدرون دعما للمنحى الطائفى فى إيران نفسها ، ويضيفون لقوة إيران الميدانية جهد غالبية
الشيعة العرب ، بينما يفتتون النسيج الاجتماعى فى بلدان عربية كثيرة من حول الخليج
العربى ، تماما كما فعلوا بدعم الغزو الأمريكى للعراق وتحطيمه ، وبما خلق فراغا مجاورا
للقوة الإيرانية ، والحياة لا تعرف الفراغ ، فقد وجدت القوة الإيرانية إلى جوارها فراغا
فتمددت فيه ، وكل فراغ تتركه خلفك يحتله غيرك ، وجماعات "العروبة المريبة"
من وظائفها أن تثير الفتن ، وتخلق الفراغات والثقوب ، وقد شاركت فى تعظيم مجد وقوة
إيران بالقصد أو بدونه ، إضافة لنهوض صنعه تنامى نزعة الاستقلال السياسى والعلمى والحربى
فى إيران اليوم ، ولجوء دول "العروبة المريبة" إلى نشر قواعد أمريكية بل
و"إسرائيلية" طلبا لحماية ، ثبت مجددا أنها مجرد "فنكوش" ، وأن
"المتغطى بالأمريكان عريان" على الدوام ، بينما كان عبد الناصر يقول أن أصل
الخيانة فى "الأمريكان" ويرفض القواعد الأجنبية ويعتبرها احتلالا زمن العروبة
الحقة ، التى تفترى عليها جماعات "العروبة المريبة" المزيفة اليوم ، وتنقلب
على قيمها التحررية السامية .
وقد نتفهم دواعى الخصومة المستحكمة لعروبيين حقيقيين
مع إيران الحالية ، وبالذات فى أقطار تعرضت لعنت وتوحش إيران أو جماعات إيرانية الهوى
، وبالذات فى العراق وسوريا ، وهؤلاء العروبيون الحقيقيون لم يخطئوا أبدا فى قراءة
الواقع ، ولا أحلوا العداء لإيران محل العداء للكيان "الإسرائيلى" ، ووقفوا
ويقفون على الدوام مع جماعات المقاومة لكيان الاحتلال ، حتى وإن كانت فى النفس غصة
، وأمثال هؤلاء لا يصح حشرهم بالجملة مع دول وتيارات "العروبة المريبة" ،
التى تفترى على مواريث عروبية أصيلة ، وتنقلب على معانيها ومبانيها ، وتصطنع عروبة
"إسرائيلية" الهوى ، تقفز على أبجديات الوجود القومى العربى ، وترتكب أبشع
الخطايا ، وتصور "دونالد ترامب"كأنه شيخ مشايخ أهل السنة والجماعة ، وتقيم
عروض سيرك ، لا سياسة فيها ولا عقل ، ولا تفرق بين خصومة مع جار أصيل فى الجغرافيا
والتاريخ ، وبين عداوة وجود مع كيان ، قام ويقوم على جثة الأمة بالغصب والقهر .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق