• اخر الاخبار

    الاثنين، 6 أبريل 2026

    الإنسان غير الاديان، من الإحسان إلى البلاء والعصيان ..بقلم: الكاتب والصحفي والقانوني/ أحمد ذيبان أحمد العراقي

     


     

    لقد كان الإنسان، قبل بزوغ فجر الأديان السماوية، يحيا حياةً تغلب عليها العفوية وتفتقر إلى النظم والقوانين، لكنه برغم ذلك كان يعيش حالة من التلاحم الإنساني الفطري؛ فلا يعرف هذا من دين يهودي، ولا ذاك من معتقد مسيحي، ولا الآخر من دين إسلامي. كانوا أبناء جنس واحد، لا تفرقهم مسميات المذاهب ولا جدران الأديان. ولكن، ومع تكاثر البشر يوماً بعد يوم، اختل التوازن البشري، فاستشرى الظلم، وعم القتل، وانطلقت شرارة الغزو طمعاً في السيطرة على الأراضي. ولم يقف الخلل عند حدود الأرض، بل طال كيان الأسرة؛ حيث غاب التوازن في ميثاق الزواج، فكان الرجل يتزوج ما يشاء من النساء بلا حقوق ترعى المرأة ولا واجبات تحفظ كرامة الطفل، بل وصلت الحال إلى عرض النساء بيعاً وشراءً في الأسواق، مما أحدث شرخاً عميقاً في التوازن المجتمعي العام.

    وعندما جاءت الأديان السماوية، بدأت بالديانة اليهودية التي قامت لتقضي على ذلك الخلل الاجتماعي. ثم تلتها الديانة المسيحية لتعيد ترتيب هذا النسق بشكل أفضل، ولتقضي على نبرة التميز التي ظهرت عند اليهود بقولهم "نحن شعب الله المختار". ثم جاءت من بعدهما ديانة الإسلام، التي قادها وبلغ رسالتها من الله الواحد الرحمن، النبي الكريم محمد المصطفى العدنان؛ ليكون متمماً لما سبقه من شرائع، ويزيدها جمالاً، وانضباطاً، وتنظيماً في كافة شؤون الحياة والاجتماع. بل لقد جعلها الله أفضل الأديان، وفضّل نبيها الكريم على سائر الأنبياء والخلق أجمعين.

     

    كان دين الإسلام نظاماً اجتماعياً وإنسانياً كاملاً متكاملاً للبشرية جمعاء، يحمل في طياته دعوات الحب، والسلام، والوئام. ولكن الواجب يقتضينا أن نعترف بمرارة: إن الإنسان هو من خرب تلك الأديان! هو من شوه الرسالات التي تدعو للحب والسماحة، والتماسك والتآلف، والرحمة والإنسانية. تلك الأديان التي نادت صراحةً بألا يُقتل بشرٌ باسم الدين، وألا يُجبر أحدٌ على اعتناق عقيدة بالقوة، عملاً بقوله تعالى: "لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ".

    لذا، فإن الحقيقة الماثلة أمامنا هي أن الإنسان غيّر الأديان من الإحسان إلى البلاء والعصيان.

    فنحن نلحظ اليوم فئات من المتشددين الإسلاميين يقتلون البشر باسم الدين، ويهتفون "الله أكبر" وهم يزهقون الأرواح، لمجرد الاختلاف في المذهب أو الطائفة. فترى من يقتل الشيعي باسم نصرة "أهل السنة والجماعة" معتبراً إياهم كفاراً مرتدين، وفي المقابل تجد من يقتل السني باسم العداء لغير الموالين لأهل البيت واصفاً إياهم بالمشركين. بل امتد الأمر ليكفر السنيُّ السلفيُّ أخاه الصوفيَّ، ويحقر الصوفيُّ السنيَّ. وهكذا نخرت الخلافات جسد الإسلام حتى جعلته هشاً، ضعيفاً، متزعزعاً، وغير مستقر؛ مما أطمع فينا الدول وتكالبت علينا الأمم، وصار ديننا في نظرهم "دين تكفير وإرهاب" بسبب هذه التفرقة وهذا العداء المتبادل باسم الإسلام.

    أليس الإنسان، إذن، هو من غيّر الأديان من الإحسان إلى البلاء والعصيان؟!

    ناهيك عما يجري بين الأديان السماوية من صراعات؛ فنحن نرى اليهود يغتصبون أرض فلسطين باسم الدين، يقتلون شبابها، ونساءها، وأطفالها، ويهجرون أهلها بذريعة أنها "أرض يهودية" اغتصبها المسلمون. وبالمقابل يقاتلهم المسلمون لاسترجاع حقهم المغتصب، حتى زاد العداء ليكون كل يهودي على وجه الأرض غير مرحب به في أغلب الدول. وكذلك المسيحيون، لم يسلموا من آلة القتل التي طالتهم من قبل المتشددين بحجة أنهم مشركون وغير مسلمين.

    أليس الإنسان هو من جعل النظام الإنساني الجميل في الأديان نقمةً بدلاً من نعمة؟ وعلى الصعيد الدولي، نجد الدول المتقدمة، وعلى رأسها أمريكا، تقاتل دولاً لمجرد أنها لم تتحالف معها، بدوافع دينية مغلفة بالسياسة؛ وخير دليل حربها على أفغانستان والعراق، وما تفعله اليوم من حرب ضروس مع إيران.. وكل هذا يُمارس باسم الأديان.

    ولشدة الجرائم التي تُرتكب باسم الأديان السماوية، بتنا نرى أن أتباع "الأديان الوضعية" صاروا أكثر جمالاً، وحباً، وتألفاً، واستقراراً؛ لأنهم تركوا الخلافات والمشاحنات. ورغم أن لديهم مئات الأرباب التي يعبدونها، إلا أنك تجدهم متراحمين متماسكين، بينما نحن أصحاب "الرب الواحد" بلا تماسك، ولا رحمة، ولا تواضع!

    أليس الإنسان هو من بدل الإحسان بلاءً وعصياناً؟!

    لهذا السبب، نرى تزايد أعداد الملحدين في زمننا هذا يوماً بعد يوم، بعدما عاينوا التجاوزات الحاصلة من طوائف متناحرة تتقاتل باسم الدين الواحد. وإذا بقيت هذه التخاصمات والعداوات تنخر في جسم الإسلام وبين الأديان السماوية، فسيحل الخراب لا محالة. إن الخطورة تكمن في تفكك المجتمع وضياعه يوماً بعد يوم، ولن يحل أمنٌ ولا سلام، بل سنرتد إلى عصر هو أشد عذاباً من عصر الجاهلية.

    ويومها، لن ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

    "وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ".

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الإنسان غير الاديان، من الإحسان إلى البلاء والعصيان ..بقلم: الكاتب والصحفي والقانوني/ أحمد ذيبان أحمد العراقي Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top