سألتُها
في غمرةِ التلاقي: من أيِّ المدنِ أنتِ؟
فقالت
بصوتٍ يشبهُ تراتيلَ الفجر: أنا من مدينةِ الجمال.
ثم سألتني
بلهفةٍ غامضة: ومن أيِّ المرافئِ جئتَ؟
فقلتُ: أنا
من مدينةِ الحبِّ، حيثُ الروحُ تُسقى من نبعِ الحنان،
أصوغُ
عاطفتي من بهاءِ الطبيعة، وأبني في القلوبِ عالماً سرمدياً،
لكنني
رغم هذا الفيض، كغيمةٍ حائرةٍ في مهبِّ الصحارى،
لا تجدُ
مروجاً خضراءَ لتستقرَّ فوق سنا روحِها،
ولا
بساتينَ تستقبلُ عبيرَ مطري الذي يحملُ الأشواق.
قالت
وهي تلملمُ خصلاتِ شِعرها الأطول من ذيلِ الفرس:
أنا
مدينةُ الجمال، وجهي بياضٌ يغارُ منه القمر،
وقوامي
رياضيٌّ صاغتهُ أماني الجمال، وابتسامتي لا تغادرني،
ولكنني
أعيشُ ترفَ الحرمان، وأكادُ أذبلُ من وطأةِ السنين،
لم
تلامسْ رياحَ طيبي غيمةٌ، ولم يرتوِ ترابي بقطرةِ غيث،
فقط
رياحُ الألمِ والسمومِ تقتاتُ على خضرتي.
قالت: هل
لي بغيومكَ ومطركَ الذي يغسلُ ذبولي؟
لنتحدَ
في وطنٍ واحدٍ يفيضُ بالرومانسيةِ والسكينة.
فقلتُ: وكيف
لا أقبلُ؟ ونحنُ من تجرعنا كأسَ الفراق!
سأرسلُ
غيومي تهمي مدراراً حتى الارتواء،
سأظلُّ
أسألكِ: هل اكتفيتِ؟ وتقولين: هل من مزيد؟
حتى
تتشابكَ قطراتُ روحي بمدينتكِ البراقة،
ونرسمَ
معاً قوسَ قزحٍ يبهرُ السماءَ ويحكي للأكوانِ حكايتنا.
سأهطلُ
فوقكِ نهراً، يمحو عنكِ غبارَ الذكرياتِ المرة،
سأروي
عطشَ السنينَ فيكِ، حتى تُزهرَ فيكِ الأماني.
لا
تسأليني عن حدودِ مطري، فهو في هواكِ بلا ضفاف،
كلُّ
قطرةٍ مني، رسالةُ حبٍّ تُنبتُ في ثراكِ ألفَ زهرة.
إذا
كانَ العالمُ خصماً لنا، فالحبُّ فينا أقوى من كلِّ السدود،
سأبقى
أرويكِ حتى يغدو كلُّ شبرٍ فيكِ ربيعاً لا يشيخ،
أنا
الغيمُ الذي وجدَ في أراضيكِ خلاصَهُ الأبدي،
وأنتِ
الأرضُ التي وجدتْ في سحائبي براءتَها الأولى.
فلا
خوفَ بعد اليومِ من قحطٍ أو جفاءٍ أو انتظار،
نحنُ
الحياةُ، ونحنُ المطرُ، ونحنُ الفصولُ التي لا ترحل.
واصلتُ
مطري، وبينما أنا في سمائكِ، أزدادُ عشقاً،
أسألُكِ
بلهفةِ الولهان: هل امتلأتِ؟ وتقولين: هل من مزيد؟
وكأنَّ
المطرَ دموعُ روحٍ تحررتْ من سجنِ الجفاف،
ناديتُكِ
حين خفتَ صوتي من شدةِ الوجد: هل اكتفيتِ؟
فقلتِ: وكيف
أكتفي وقد أعتنقتُ هواكَ ديناً؟
تعانقتْ
أرواحُنا، وكفانا ما ضاقتْ بنا دهورُ الحرمان.
إن كان
العالمُ خصمي في هواكِ، فأنا للهوى طائعة،
فالحبُّ
هو الجمالُ، والابتعادُ عنه محال، والعالمُ بدونهِ ذلٌّ وهوان.
قلتُ: كيف
يغزوني المللُ وقد رأيتُ الحياةَ في عينيكِ؟
قالت: أعشقُكَ
يا مطري، يا دنيتي، يا كلَّ عمري للأبد،
فقلتُ: وأنتِ
أرضي، ومروجي، ونبضي الذي لا يغيب.
هكذا
نعيشُ في رحابِ الحب، حيثُ لا ألمَ يطرقُ بابنا، ولا مرضَ يلمسُ روحنا.

0 comments:
إرسال تعليق