في كل صباح،
يخرج الطالب المصري إلى مدرسته حاملا حقيبته، لكن ما يحمله في داخله أثقل بكثير من
الكتب والكراسات؛ يحمل حيرة المنهج، وقلق الامتحان، وارتباك أسرة أصبحت شريكا إجباريا
في رحلة تعليمية لا تعرف إلى أين تمضي.
المشهد في
ظاهره بسيط، لكنه في جوهره يكشف أزمة عميقة.
كتاب مدرسي
مدفوع الثمن، لا يكفي للفهم، فيلجأ الطالب إلى كتاب خارجي، ثم إلى مذكرة، ثم إلى درس
خصوصي، ثم تأتي المفاجأة بأن الامتحان قد يطرق أبوابا لم تمر عليها كل هذه الوسائل.
هنا يحق
لنا أن نتساءل:أين تقف المدرسة في هذه المنظومة؟
وأين يقف
الكتاب المدرسي من رسالته الأصلية؟
لقد أصبح
من المؤسف أن تتحول الأسرة المصرية إلى وزارة تعليم موازية، تنفق من دخلها المحدود
من أجل سد فجوات يفترض أن تعالج داخل الفصل الدراسي.
ولأن التعليم
لا يقوم على الورق وحده، فإن المشكلة الأكبر تكمن في غياب الاستقرار.
كلما جاء
وزير جديد، جاء معه منهج جديد، ونظام تقييم جديد، ومصطلحات جديدة، بينما يظل الطالب
هو الحلقة الأضعف، يدفع من عمره ثمن كل تجربة.
إن أخطر
ما في الأمر ليس التغيير ذاته، فالتطوير مطلوب، ولكن الخطورة في أن يتم التغيير دون
محاسبة، ودون تقييم موضوعي لما تحقق وما فشل.
كيف نبني
جيلا واثقا في العلم، بينما المنهج نفسه لا يملك الثبات؟
وكيف نطالب
الطالب بالتركيز، بينما المنظومة كلها تتحرك فوق أرض غير مستقرة؟
ثم تأتي
إشكالية التعدد:
حكومي، خاص،
لغات، وأزهري، لكل منها فلسفته ومناهجه ومواعيده.
كأن أبناء
الوطن الواحد يعيشون داخل جزر تعليمية منفصلة، لا يجمعها سوى اسم الدولة.
إن العدالة
التعليمية لا تعني تشابه المدارس فقط، بل تعني أن يحصل كل طالب على فرصة متكافئة في
الفهم والتقييم والمستقبل.
أما المعلم،
ذلك الجندي الذي يقف في الصف الأول، فهو أكثر من يدرك حجم الأزمة.
فهو لا يشرح
الدرس فقط، بل يحتوي سلوكيات، ويواجه ضغوطا نفسية، ويحاول أن يصنع إنسانا قبل أن يصنع
طالبا، في مقابل دخل لا يوازي حجم رسالته.
إن تسكين
الطلاب واحتواء مشكلاتهم أصبح في كثير من الأحيان أصعب من شرح المنهج نفسه.
لهذا، فإن
الأزمة لم تعد أزمة تعليم فقط، بل أزمة مجتمع يرى مستقبله يتشكل في فصول مزدحمة، ومناهج
متغيرة، وأعباء متراكمة.
ولعل التعبير
الشعبي البسيط يلخص المشهد بأبلغ صورة..سمك لبن تمر هندي.
غير أن مصر
التي صنعت جيلا من العلماء والمفكرين، قادرة على استعادة بوصلة التعليم، متى توفرت
الرؤية، واستقر القرار، وعاد المعلم إلى مكانته، وعاد الطالب إلى قلب المنظومة لا إلى
هامشها.

0 comments:
إرسال تعليق