قد لا يكون التاريخ يعيد نفسه دائما ، فقطرة الماء ذاتها لا تجرى فى النهر الواحد لمرتين ، لكن حوادث التاريخ قد تتشابه أحيانا ، وربما تتطابق فى مغزاها وعظاتها ، فللتاريخ مكره الخاص ، ويحدث كثيرا فى التاريخ ومجراه الذى لا ينتهى ، أن يذهب فرد ما أو جماعة أو دولة في طريق ، وتدفعه شهرة القوة للذهاب إلى بناء ما يتصوره قصرا لمجده ، ثم يكتشف بعد فوات الأوان ، أنه ذهب سهوا ليحفر قبرا جديدا لنفسه.
شىء من ذلك حدث ويحدث في لبنان اليوم ، ويكاد يذكر حرفيا بما جرى قبل أكثر من
أربعين سنة ، مع اجتياح جيش الاحتلال "الإسرائيلي" لأراضي لبنان ، ووصول
حملة الجنرال "آرييل شارون" إلى احتلال العاصمة بيروت ، وتحت شعار إجلاء
جماعات منظمة التحرير الفلسطينية ، التي خرجت بالفعل إلى أقطار عربية أخرى ، لكن القصة
لم تنته فصولها عند هذا الحد ، وبدا الجسد اللبناني المتعب المرهق بحرب أهلية طويلة
، وكأنه ينتفض طالبا لثأر جديد ، فقد كان "بشير الجميل" قائد ما يسمى
"القوات اللبنانية" يظن وقتها ، أن دبابات "شارون" كفيلة بحراسة
رئاسة الجمهورية اللبنانية ، وجرى عقد اتفاق 17 مايو "آيار" 1983 مع كيان
الاحتلال "الإسرائيلي" ، لكنه سرعان ما جرى اغتياله ، وتولى المنصب شقيقه
الأكبر "أمين الجميل"، بعد اضطرار قوات الاحتلال للخروج من العاصمة اللبنانية
، وانسحاب قوات الاحتلال إلى الجنوب ، ثم ظهور جماعة "حزب الله" بدعم إيراني
ظاهر ، وبدء رحلة "حرب عصابات" طويلة في الشريط الجنوبي ، استمرت لنحو عشرين
سنة ، وإلى أن خرجت قوات الاحتلال في 25 مايو "آيار" 2000 من الجنوب ذليلة
مدحورة ، ومعها العملاء من "جيش لبنان الجنوبي"، ودونما توقيع اتفاق سلام
ولا صك تطبيع .
وفي مشهد التاريخ الجاري هذه الأيام ، يبدو تشابه الحوادث ظاهرا ، سلطة تجرى
مفاوضات مباشرة فى واشنطن ، هدفها المعلن توقيع اتفاق سلام جديد مع "إسرائيل"
، ومع إعلان "إسرائيلى" أمريكى جهير ، أن الهدف هو دفع الحكم اللبنانى لخوض
حرب نزع سلاح "حزب الله" بالمشاركة مع كيان الاحتلال ، فيما يكرر الأخير
سيطرته على شريط متسع من الجنوب اللبنانى، ويتبنى سياسة الأرض المحروقة ، وحجز 55 قرية
لبنانية وراء ما يسميه "الخط الأصفر" أو "خط الدفاع الأول " ،
ويكرر الجرائم ذاتها على نحو أعنف ، يقتل ويجلى السكان ويفجر المنازل بالجملة ، ويمنع
عودة النازحين ، ويعجز لأسابيع عن احتلال كامل بلدة "بنت جبيل" ، ويسعى للانتقام
بتدمير منطقة ملعبها ، الذى أعلن منه الأمين العام التاريخى الراحل السيد "حسن
نصر الله" نصر لبنان العزيز بتحرير الجنوب ، وأطلق وقتها عبارته الشهيرة عن
"إسرائيل" الأوهى من بيت العنكبوت .
كان التعبير نافذا على حماسته المفرطة ، فقد كان الوقت تغير ، ونشأت مدرسة جديدة
فى المقاومة ، تعززت فيما بعد وأثبتت فعاليتها فى ميادين النار ، وفى الحروب غير المتناظرة
، التى يملك فيها العدو ما لا تملكه جماعات المقاومة ، وفى المنازلة التاريخية متعاقبة
المراحل ، كان الافتتاح صاخبا بالمنازلة بين أعلى قيمة إنسانية وأعلى قيمة تكنولوجية
مضافة يكاد العدو يحتكرها ، وأثبت سلاح الاستشهاد كأعلى قيمة إنسانية ، أن الكفة راجحة
فى صفه ، وكلنا يذكر ما جرى فى أواخر شهور 1983 ، وتتابع تدمير مقر الحاكم العسكرى
الإسرائيلى فى "صور" بسيارة مفخخة يقودها استشهادى ، ثم زحف الظاهرة الاستشهادية
ذاتها إلى بيروت ، وسقوط مئات الجنود القتلى من "المارينز" الأمريكى ، وتكرار
الحدث ذاته فى مقر مشاة البحرية الفرنسية ، كان حس الاستشهاد ينتصر فى معارك متفرقة
مع أعلى ما يملكه العدو ورعاته من تكنولوجيا ، وفى مراحل لاحقة ، راحت قيمة الاستشهاد
تكتسب قيما تكنولوجية مضافة بدعم إيرانى ، فيما عجزت القيمة التكنولوجية الأعلى عند
العدو عن اكتساب ما يوازى أو يوازن حس الشهادة ، وفى الميدان اليوم ، نرى "حزب
الله" يعود إلى تكتيكات وأساليب حرب العصابات ، ولكن فى صورة متقدمة تكنولوجيا
، ونرى ما تفعله مسيرات حزب الله الانقضاضية الموجهة للتخفى بتكنولوجيا الألياف الضوئية
، ونرى ما أحدثته من صدمات لجيش الاحتلال ، وبالذات فى واقعة مثيرة جرت قبل أيام ،
حين انقضت مسيرة تعمل بالألياف الضوئية على تجمع للجنود "الإسرائيليين" من
حول مروحية إنقاذ ، ونرى تزايد عدد الضباط والجنود "الإسرائيليين" القتلى
والجرحى ، ونرى ـ كما قالت "يديعوت أحرنوت" "الإسرائيلية" ـ سيطرة
ميدانية واسعة لحزب الله فى قرى الجنوب المعاد احتلالها ، فلم يعد القتال مقصورا على
أسلوب "اضرب واهرب" ، ولا على الكمائن المعدة بعناية من مقاتلى "حزب
الله" ، بل صارت مسيرات الألياف الضوئية فى الجنوب اللبنانى ، وعلى مستعمرات العدو
فى الشمال الفلسطينى المحتل ، صارت هذه المسيرات المتطورة تكنولوجيا صداعا يفجر رءوس
العدو بضباطه ومستوطنيه فى مستعمرات الجليل ، وقد لا نكون هذه المرة بصدد "حرب
عصابات" مقاومة تتصل لنحو عشرين سنة كما الماضى ، ويقع فيها 20 قتيلا "إسرائيليا"
فقط كل عام كامل ، بل بصدد وقت أقصر بكثير فى دحر الاحتلال الجديد للجنوب ، فقد عاد
"حزب الله" إلى الميدان بقوة أسطورية مستعادة ، وبدا كما لو أن السيد حسن
عاد من قبره ، ويرى ثمار ما غرست يداه وعقله ووجدانه فى زمن المقاومة الأول .
وقد لا تكون مجرد مصادفة أو ملاحظة عابرة ، أن هدد الشيخ "نعيم قاسم"
الأمين العام الحالى لحزب الله ، وتوعد بالعودة إلى خط العمليات الاستشهادية مجددا
، وهو سلاح فتاك يملكه مقاتلو "حزب الله" ، الذين أعاروا الجماجم لله فى
حرب الحق وتحرير الوطن ، ومع فارق ظاهر ، أن استشهادييى "حزب الله" اليوم
، يملكون فرص الوصول إلى أهداف ثمينة داخل فلسطين المحتلة ذاتها ، وليس فقط فى الداخل
اللبنانى ، وأن أدواتهم التكنولوجية المضافة ، لا تلغى ولا تجور على حس الاستشهاد الفطرى
لديهم كأعلى قيمة إنسانية ، وانظروا إلى الميدان الواسع مجددا ، وتذكروا الذعر غير
المسبوق ولا الملحوق بعد العملية الاستشهادية
التى دمرت مقر مشاة البحرية الأمريكية "المارينز" أواخر عام 1983 ، ومسارعة
الرئيس الأمريكى وقتها "رونالد ريجان" إلى سحب قواته وأساطيله من لبنان ومن
قبالته ، وتذكروا أيضا قول الجنرال "إسحق رابين" مع عمليات استشهادية اجتاحت
الداخل الفلسطينى المحتل ، كان "رابين" رئيسا لوزراء "إسرائيل"
، وعقد مع الطرف الفلسطينى المعنى عددا من اتفاقات "أوسلو" وأخواتها ، وقال
ذات مرة ، أنه لا سبيل لمواجهة العمليات الاستشهادية ، وأضاف أن أجهزة الاستخبارات
مهما بلغت قوتها ، لا تملك فعل شئ بالمقابل ، ففكرة الاستشهاد تدور فى عقل ووجدان فرد
بذاته ، وليس فى قواعد عسكرية ومقرات يمكن تعقبها وتدميرها .
و"حزب الله" فى طبعته الجديدة العائدة إلى الميدان ، المكذبة الداحضة
لأراجيف سادت زمنا عن تلاشى قوة الحزب بعد اغتيالات متوالية لقادته الكبار ، وتبين
مقدرة الحزب على ترميم نفسه واستعادة قواه ، وحماية قلب جهازه التنظيمى العسكرى من
اختراقات الأطراف والمراكز ، وإلى حد أنه تمكن من إطلاق أكثر من ألفى صاروخ باليستى
على الداخل الفلسطينى المحتل منذ عاد للقتال فى 2 مارس 2026 ، وإضافته لصواريخ متطورة
تدمر الجرافات والدبابات "الإسرائيلية" ، ثم إبداعه الفريد لمسيرات انقضاضية
عاملة بألياف ضوئية تصعب مهمة رصدها وإسقاطها ، وتحميل بعض المسيرات بصواريخ مضادة
للدبابات والمدرعات وثكنات الجنود ، ومع هذه الإضافات التكنولوجية المؤثرة ، يملك حزب
الله ومقاتلوه روحهم الاستشهادية الجياشة مع عبقرية القتال من مسافة أمتار ، وقد غادروا
صوما طويلا عن القتال ، على مدى خمسة عشر شهرا أعقبت وقف إطلاق النار الأول فى 27 نوفمبر
2024 ، وهو عكس ما يفعلونه هذه المرة مع وقف إطلاق النار الممدد بمسعى من إدارة
"دونالد ترامب" ، التى أعطت "إسرائيل" حق انتهاكه واختراقه بدعوى
الدفاع عن النفس ، ولأن المؤمن لا يصح أن يلدغ من الجحر ذاته مرتين ، فإن "حزب
الله" يرد بانتظام على انتهاكات العدو "الإسرائيلى" ميدانيا ، ويستمر
فى حرب العصابات المتطورة تقنيا .
وليس فى وسع الحكم اللبنانى الحالى ، أن يكرر ما فعله بعض أسلافه ، وأن يعقد
اتفاق سلام "إبراهيمى" يرغبه "ترامب" مع "إسرائيل"
، فما من شبهة اجماع وطنى لبنانى على طريق المفاوضات المباشرة المتصادمة مع القانون
اللبنانى ، وما من نية "إسرائيلية" للانسحاب طوعا من لبنان وإعادة النازحين
والأسرى ، وكل ما يريده "بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو ، أن يورط الجيش
اللبنانى إلى جوار جيش الاحتلال فى حرب لنزع سلاح "حزب الله" ، وهو هدف مستحيل
التحقق ، أعلنت "إسرائيل" عدة مرات عن إنجازه ، ثم تبين أن الإعلان الكاذب
كان مجرد زوبعة فى فنجان مسموم .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق