لم يعد الجدل الدائر حول قائمة منتخب مصر مجرد اختلاف كروى معتاد بين
جماهير الأندية، ولا مجرد اعتراض على اسم دخل أو آخر خرج.. بل تحولت اختيارات المدير
الفنى حسام حسن إلى قضية رأى عام رياضى، فتحت أبواب الغضب والأسئلة والريبة على مصراعيها،
بعدما شعر قطاع واسع من الجماهير أن معايير الانضمام إلى منتخب مصر لم تعد فنية خالصة،
وإنما أصبحت رهينة للأهواء والانتماءات والمواقف الشخصية.
فالصدمة الأولى التى نزلت كالصاعقة على الشارع الرياضى، كانت استبعاد
المهاجم الصريح مصطفى محمد، بعدما تم استدعاؤه بالفعل، واستخراج التأشيرات الخاصة به،
قبل أن يتم شطبه بصورة مفاجئة، فقط لأنه حضر مباراة الزمالك وسيراميكا التى شهدت احتفال
الزمالك بدرع الدورى!
وهنا لم يعد السؤال؛ هل مصطفى محمد فى مستواه أم لا؟
بل أصبح السؤال الأخطر؛هل حضور مباراة كروية أصبح تهمة؟!.. وهل المدير
الفنى للمنتخب الوطنى يدير مؤسسة وطنية أم دائرة ولاءات شخصية؟!
المشهد بدا صادما.. لأن المنتخب لا يدار بالعاطفة، ولا تكتب قوائمه
بمن حضر الاحتفال ومن غاب عنه، وإنما تكتب بالعدل والاحتياج الفنى واحترام قميص الوطن.
ثم جاءت الصدمة الثانية، حين ضمت القائمة 12 لاعبا من النادي الأهلي
صاحب المركز الثالث بالدورى، مقابل ثلاثة فقط من نادي الزمالك بطل الدورى، وثلاثة من
نادي بيراميدز بطل الكأس وحامل لقب البطولة الأفريقية!
أي منطق كروى هذا؟!
وأى رسالة ترسل للاعبين؟!
هل البطولات لم تعد معيارا؟!.. وهل التفوق الجماعى لا قيمة له أمام
الحسابات الأخرى؟!
الجماهير لا تطلب مجاملة الزمالك أو بيراميدز أو أى نادى، كما لا تطلب
ظلم الأهلى، لكنها تطلب فقط ميزانا واحدا.. ميزان العدالة الفنية، لأن منتخب مصر ليس
فرعا لأى ناد، ولا ساحة لتصفية الحسابات أو صناعة النفوذ.
وإذا كانت الكرة المصرية قد اعتادت الجدل، فإن الكارثة الحقيقية ظهرت
فى بعض الاختيارات التى بدت وكأنها رسائل شخصية أكثر منها قرارات فنية، خاصة اختيار
لاعب شاب من نادي إنبي، بعد أزمته الأخيرة مع جماهير الزمالك، والتى أعادت للأذهان
مشاهد قديمة ارتبطت باسم حسام حسن نفسه وشقيقه، عندما اشتعلت أزمتهما الشهيرة مع الأهلى
عقب الرحيل، وما تبعها من مشاهد غضب وسباب وإلقاء القميص فى لحظة لا تزال محفورة فى
ذاكرة الكرة المصرية.
وكأن التاريخ يعيد نفسه، لكن بصورة أكثر قسوة، لأن من يفترض أن يكون
قدوة للانضباط والحياد، أصبح فى نظر كثيرين يعيد إنتاج نفس المشهد الذى صنع الجدل حوله
لاعبا ومدربا.
أما اختيار لاعب ناشئ من أكاديمية خارجية لمجرد أنه ينتمى لأكاديمية
برشلونة، بينما هناك مواهب كاملة تنزف فى ملاعب الدورى المصرى دون أن يلتفت إليها أحد،
فقد فتح بابا آخر من الأسئلة..هل أصبح اسم الأكاديمية أهم من الجاهزية؟!.. وهل منتخب
مصر منصة دعائية أم ساحة تنافس حقيقى؟!
ولا يختلف الحال كثيرا فى أزمة مركز حراسة المرمى، بعدما تكرر اختيار
نجل الإعلامى الأهلاوى المعروف أحمد شوبير، فى وقت ترى فيه جماهير كثيرة أن حارس نادي
بيراميدز يقدم مستويات أفضل وأكثر استقرارا.
وربما الأزمة الأخطر ليست فى الأسماء نفسها، وإنما فى حالة الاحتقان
التى صنعتها تلك الاختيارات، حتى وصل الأمر ببعض الجماهير إلى إعلانها الصريح بأنها
لن تشجع المنتخب فى كأس العالم!
وهنا تكمن الكارثة الوطنية الحقيقية.
أن يصل المشجع المصرى إلى مرحلة تمنى هزيمة منتخب بلاده، ليس كرها فى
الوطن، وإنما غضبا من الطريقة التى يدار بها المنتخب، فهذا يعنى أن الثقة قد تصدعت،
وأن العلاقة بين الجماهير ومنتخبها أصبحت مهددة.
لقد صنع حسام حسن عبر تاريخه لاعبا ومدربا صورة الرجل المشتعل دائما
بالصدامات، سريع الاشتعال، حاد المزاج، لا يقبل بسهولة وجود نجم يشاركه الضوء أو يخطف
منه المشهد، ولعل أزمته القديمة مع أحمد حسن كانت واحدة من أبرز النماذج التى كشفت
تلك العقلية المتوترة التى كثيرا ما قدمت الذات على حساب الاستقرار.
الأخطر من كل ذلك، هو الصمت الرسمى الغريب من الاتحاد المصري لكرة القدم
ووزارة الشباب والرياضة، وكأن الجميع قرر الانسحاب من المشهد وترك المنتخب لمصيره،
بمنطق؛"اللى يشيل الليلة حسام وأخوه.. وإحنا مالنا!"
لكن الحقيقة أن الذى سيدفع الثمن ليس حسام حسن وحده، بل سمعة الكرة
المصرية كلها، وجماهير وطن بأكمله.
#فى_النهاية_بقى_أن_أقول ؛المنتخب الوطنى ليس ملكا لأحد..
ليس منتخب الأهلى، ولا منتخب الزمالك، ولا منتخب حسام حسن وشقيقه..إنه
منتخب مصر.
قميصه يجب أن يمنح للأفضل، لا للأقرب.ولمن يستحق، لا لمن يرضى عنه المدير
الفنى.
لأن الأوطان لا تدار بالمجاملات..
ولا تبنى المنتخبات بالأهواء.

0 comments:
إرسال تعليق