حتى وقت كتابة هذه السطور ، لم يكن قد تم بعد توقيع "الاتفاق الإطارى" أو "مذكرة التفاهم" لوقف الحرب بين واشنطن وطهران ، وبحسب أغلب التسريبات عن نص الاتفاق ، فإن المفاوضين الإيرانيين تفوقوا على الرئيس الأمريكى المقاول "دونالد ترامب" فى فن إبرام الصفقات ، كما قالت نصا صحيفة "فايننشيال تايمز" الاقتصادية البريطانية ذائعة الصيت ، ووفق التسريب الأكثر رواجا الذى نشره موقع "أكسيوس" الأمريكى وثيق الصلة بمسئولى البيت الأبيض ، تتضمن مذكرة التفاهم اتفاقا على وقف إطلاق النار لمدة ستين يوما ، ووقف الحرب على جميع الجبهات بما فيها لبنان ، ومبادرة إيران إلى فتح "مضيق هرمز" تدريجيا وإزالة الألغام فى مجراه ، على أن يجرى بالتزامن إنهاء الحصار البحرى الأمريكى على الموانئ الإيرانية ، وإزاحة ملف مفاوضات الملف النووى الإيرانى إلى مرحلة لاحقة ، وتأكيد إيران على عدم رغبتها فى صناعة أسلحة نووية ، واستعدادها للتفاوض فى جوانب تعليق تخصيب اليورانيوم ، وحل مشكلة يورانيوم التخصيب العالى بنسبة تفوق الستين بالمئة ، ومقابل الإفراج عن أموال إيران المجمدة ، وإزالة العقوبات المفروضة على طهران ، وسحب كافة الحشود الحربية الأمريكية من المنطقة مع التوصل إلى اتفاق نهائى .
ومن الوهلة الأولى
، تبدو المطالب والأولويات الإيرانية راجحة فى مقترح المذكرة ، ثم عززت إيران هجومها
التفاوضى بطلب الحل التدريجى لقضية أموالها المجمدة قبل التوقيع أو فور حدوثه ، وهو
ما أبرزته زيارة "محمد باقر قاليباف" رئيس الوفد الإيرانى المفاوض ومعه وزير
خارجية طهران "عباس عراقجى" إلى "الدوحة" ، التى دخلت على خط الوساطة
الباكستانية بنشاط ظاهر ، وكانت قضية الإفراج عن الأموال المجمدة أهم ماجرى بحثه ،
والمعروف أن "الدوحة" كانت مستقرا مختارا لأول دفعة إفراج عن أموال إيران
المجمدة ، وتقديراتها الكلية تصل إلى نحو 120 مليار دولار ، وكان الرقم الذى دخلت "الدوحة"
طرفا مسهلا فيه نحو سبعة مليارات دولار من "كوريا الجنوبية" ، وبحسب اتفاق
بين طهران وواشنطن على عهد الرئيس الأمريكى السابق "جو بايدن" ، وقيل أن
طهران تطلب اليوم الإفراج عن 24 مليار دولار كدفعة أولى .
وتبدى إدارة "ترامب"
ترددا ظاهرا فى القصة كلها وفى مبدأ التوقيع ، فقد تعرض "ترامب" لهجمات من
داخل حزبه الجمهورى نفسه تتهمه بالتراجع والضعف أمام الإيرانيين ، خصوصا بعد أن أبدى
"ترامب" مرونة علنية لافتة فى ملف يورانيوم التخصيب العالى ، واحتمال موافقته
على المطلب الإيرانى ، الذى يقضى بتخلص إيران ذاتيا من نسبة التخصيب العالى بكمية 450
كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، واستعدادها لتخفيف وترقيق
نسبة التخصيب فوق أراضيها ، ورفضها بالطبع لرغبة "ترامب" الأصلية فى تسليم
يورانيوم التخصيب العالى إلى واشنطن ، وإن أبدت طهران تجاوبا ضمنيا فى نقل كمية يورانيوم
التخصيب العالى إلى الصين أو روسيا ، وإعادته إليها فى صورة كعكة صفراء ووقود نووى
لتشغيل مفاعلاتها ومحطاتها النووية ، وتصر إيران على استبقاء حقها المبدئى فى التخصيب
، وترفض تماما كل مطالب تفكيك منشآت برنامجها النووى ، وهو ما أثار خلافا بين "ترامب"
و"بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو "الإسرائيلى" ، خصوصا أن
مقترح الاتفاق يتضمن وقفا لحرب "إسرائيل" على لبنان و"حزب الله"
، بينما "نتنياهو" يريد تعميق الحرب على لبنان ، إضافة لاستئناف الحرب على
"غزة" مع عملية استهداف "محمد عودة" القائد العام لكتائب القسام
بعد اغتيال سابقه القائد "عز الدين الحداد" .
وفيما تبدو رغبات
وتصرفات "نتنياهو" مفهومة ، فهو يريد أن تظل الحروب دائرة وساخنة حتى موعد
الانتخابات "الإسرائيلية" المبكرة فى سبتمبر المقبل ، ويريد الاختباء وراء
غبار الحروب من انتقادات حادة لخصومه الانتخابيين ، ومن إعلام وجمهور التجمع "الإسرائيلى"
، الذى يتهم "نتنياهو" بالخضوع لأوامر "ترامب" ، وبالفشل الذريع
فى كل الحروب التى خاضها على مدى ثلاثين شهرا مضت ، من "غزة" إلى "لبنان"
إلى "إيران" ، والعجز عن تحقيق أى هدف وعد به ، فلم يتم القضاء على "حماس"
فى "غزة" ، ولا على "حزب الله" فى لبنان ، ولم يسقط النظام الإيرانى
طبعا ، ولم تؤد اغتيالات القادة إلى تراجع حركات المقاومة ، وبدت كأنها مجرد "فرقعات"
عسكرية وإعلامية عابرة ، ورغم انتقادات صاخبة ضد "نتنياهو" فى الداخل الإسرائيلى
، فإن "ترامب" بدا فى الموقف المعاكس تماما ، وخضع لصيحات وضغوط الموالين
للوبى الصهيونى فى حزبه الجمهورى ، وبينهم السيناتور "ليندسى جراهام" الأكثر
صهيونية وتطرفا من "نتنياهو" نفسه ، وقد طالب بإلزام الدول العربية والإسلامية
القريبة من أجواء التفاوض والاتفاق مع إيران بالدخول فى مسار "الاتفاقات الإبراهيمية"
، والتطبيع الفورى الكامل مع "إسرائيل" ، بل والدخول فى تحالف معها يحارب
إيران ، وسرعان ما زايد "ترامب" نفسه على "جراهام" وأشباهه من
الموالين التابعين للوبى "الأيباك" الصهيونى فى واشنطن ، وكشف "ترامب"
عن طرحه للمطلب "الإبراهيمى" فى اتصال هاتفى مشترك مع قادة دول عربية وإسلامية
، وأنه طلب التزام دول بينها السعودية وقطر وباكستان بالدخول الإلزامى فى مجرى المعاهدات
"الإبراهيمية" ، وعلى طريقة ما فعلت "الإمارات" و"البحرين"
و"المغرب" وغيرها ، وجرى التركيز على "السعودية" بالذات ، التى
بادرت إلى معارضة التطبيع مع "إسرائيل" ، واشترطت وجود "مسار لا رجعة
فيه إلى إقامة دولة فلسطينية مستقلة" ، فيما أعلنت باكستان رفضها للخطوة "الإبراهيمية"
بسبب تعارضها مع "الأيديولوجيات الأساسية" المنشئة لوجود باكستان نفسه ،
فيما لم تبد "قطر" وغيرها اهتماما بالموضوع من أصله .
وهكذا بدا "ترامب"
أحرص على "نتنياهو" ، الذى تشكل تحالف "يائير لابيد" و"نفتالى
بينيت" لإسقاطه فى الانتخابات "الإسرائيلية" المقبلة ، بينما يواصل
"ترامب" ضغوطه على الرئيس الإسرائيلى "هيرتزوج" لاستصدار عفو عاجل
عن "نتنياهو" فى قضايا الفساد وخيانة الأمانة ، ويعبر عن إعجابه بمجرم الحرب
المطلوب للمثول أمام المحكمة الجنائية الدولية ، ويوافق ضمنا وصراحة على اختراقاته
لوقف إطلاق النار فى لبنان وفى "غزة" ، رغم أن اتفاقات وقف النارالمعنية
جرت بوساطات أمريكية وبرعاية معلنة من "ترامب" شخصيا ، وإضافة لكل ذلك ،
يضغط "ترامب" بكامل الثقل الأمريكى لتقديم هدايا إضافية إلى "نتنياهو"
، وفى صورة السعى لتعميم الاتفاقات "الإبراهيمية" سيئة الصيت .
وهكذا تتضح ملامح
الصورة الكاملة لما جرى فى الثلاثة شهور الأخيرة ، فلم تكن الحرب على إيران بهوى أمريكى
خالص ، بل بدأت بتحريض وتشجيع وتزيين من "نتنياهو" فى أذن "ترامب"،
وكانت حربا إسرائيلية جرت وتجرى بجيوش أمريكية ، ولم يكن هدف إسقاط النظام الإيرانى
مطلوبا لذاته ، ولا لتصفية برامج إيران النووية والصاروخية وعلاقات طهران مع حركات
المقاومة ، بل كان ذلك كله موصولا بالهدف الأشمل ، وهو جعل منطقة الشرق الأوسط كلها
خاضعة للقيادة "الإسرائيلية" ، وإزالة عقبة عداء إيران للكيان "الإسرائيلى"
، وأن يخلو وجه المنطقة كلها لكيان الاحتلال "الإسرائيلى" وحده ، ومن هنا
نفهم شرط "ترامب" لوقف الحرب مع إيران ، وهو أن تسلم دول أخرى خاصة فى الخليج
، قيادها لكيان الاحتلال وحده ، وإلا واجهت هذه الدول "عواقب وخيمة" بنص
كلام "ليندسى جراهام" ، أو تكون خالفت "إلزام" الرئيس الأمريكى
، وما يترتب على هذه المخالفة من عقوبات انتقامية .
ومع اكتمال الصورة
، بدا أن "ترامب" يريد الانتقام من دول الخليج العربية بالذات ، وأن تطبع
جبرا مع "إسرائيل" وتتحالف معها ، وإلا تركتها واشنطن فريسة لعواقب استمرار
الحرب الأمريكية على "إيران" ، وتعريضها لردود فعل إيرانية عسكرية ضارية
، وللخنق اقتصاديا باستمرار غلق "مضيق هرمز" نافذة تصدير البترول والغاز
الطبيعى الخليجى إلى العالم ، وبدا "التنمر" الأمريكى عقابا لدول خليجية
، رفضت وترفض التورط مع "إسرائيل" فى شن الحرب على إيران ، ودون أن يلحظ
أحد حماسة للحطيئة إلا من دول الاتفاقات "الإبراهيمية" ، خصوصا تلك التى
جاهرت أو كادت باستضافة قوات ومعدات "إسرائيلية" على أراضيها ، بعد أن سقطت
دعوى الحماية الأمريكية الجاهزة ، ونجحت إيران فى تدمير 16 قاعدة أمريكية بالمنطقة
خلال حرب الأربعين يوما ، وثبت مجددا أن "المتغطى بالأمريكان عريان" .
ومحصلة ماجرى
إلى اليوم ، أن الاستقلال والنهوض الإيرانى نجح فى تحدى الطغيان الأمريكى "الإسرائيلى"
، وفوجئ الجميع بالصمود الإيرانى المذهل فى ميادين السلاح والتفاوض ، بينما الذين وضعوا
"كل بيضهم" وتريليونات الدولارات فى السلة الأمريكية ، رأوا أن المطلوب ليس
فقط رضا ودعم وعطف واشنطن ، بل الانصياع الكامل لخطط ورغبات كيان الاحتلال "الإسرائيلى"
، وكسب قلب "نتنياهو" وحكومته الأكثر تطرفا وإجراما ، والتنصل الكامل من
حقوق الشعب الفلسطينى والشعوب العربية المحتلة بعض أراضيها ، وتنصيب "إسرائيل"
إلها معبودا فى كل المنطقة ، وهو ما يتصور "ترامب" وأشياعه أنه هدفهم الأسمى
أيضا ، وأنه الرابط المقدس بين "اليمين التوراتى" فى "إسرائيل"
و"اليمين الصهيونى المسيحى" فى أمريكا ، وبين مجرمى الحرب "نتنياهو"
و"ترامب" ، وهكذا سقطت كل الأقنعة دفعة واحدة .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق