• اخر الاخبار

    الجمعة، 15 مايو 2026

    نكبةٌ صُنعت في الغرف المغلقة: هل خان الملك عبد الله الأول فلسطين؟..بقلم : محمد فتحى السباعى

     


    في تاريخِ الهزائم العربية، تبقى نكبةُ فلسطين سنة 1948 أكثر من مجرد سقوطٍ عسكري؛ إنها لحظةٌ تكشّفت فيها شبكةٌ معقدة من التفاهمات السرية، والطموحات الملكية، والتناقضات العربية التي مهّدت لولادة إسرائيل فوق أنقاض وطنٍ كامل.

    وفي قلب هذا الجدل يقف الملك عبد الله الأول، الرجل الذي دخل الحرب العربية الإسرائيلية بصفته قائدًا عربيًا، بينما كانت الوثائق والشهادات تكشف لاحقًا عن اتصالاتٍ مباشرة بينه وبين قادة الحركة الصهيونية قبل اندلاع الحرب.

    الملك الذي أراد فلسطين… لكن بشروطه

    منذ نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين، كان عبد الله الأول يرى أن الضفة الغربية والقدس يجب أن تُضمَّ إلى مملكته الناشئة، لا أن تقوم عليها دولة فلسطينية مستقلة.

    هذا الطموح لم يكن سرًّا داخل الدوائر البريطانية ولا الصهيونية.

    كشفت مذكرات غولدا مائير أنها عقدت لقاءات سرية مع الملك عبد الله قبل حرب 1948، أبرزها في نوفمبر 1947، بعد قرار التقسيم مباشرة. وفي تلك اللقاءات جرى بحث شكل السيطرة على فلسطين بعد انسحاب بريطانيا.

    تُظهر الروايات الإسرائيلية أن الطرفين توصلا إلى تفاهم غير معلن:

    لا يهاجم الفيلق العربي المناطق المخصصة للدولة اليهودية، مقابل السماح لعبد الله بالسيطرة على القسم العربي من فلسطين.

    حربٌ بلا مشروع عربي موحّد

    دخلت الجيوش العربية الحرب بشعارات “التحرير”، لكن الحقيقة على الأرض كانت مختلفة تمامًا.

    مصر كانت تخشى توسع النفوذ الهاشمي.

    سوريا لم تثق بعبد الله.

    القيادات الفلسطينية كانت مهمشة وممزقة.

    والجيش الأردني، الأقوى عربيًا آنذاك، كان يخضع فعليًا لقيادة بريطانية عبر الجنرال غلوب باشا.

    كان العرب يقاتلون بلا غرفة عمليات موحدة، بينما كانت الحركة الصهيونية تمتلك قيادة مركزية، وتمويلًا، وتسليحًا، وخطة واضحة لإقامة الدولة.

    وهنا ظهرت أخطر المفارقات:

    الفيلق العربي الأردني خاض معارك شرسة فعلًا في القدس، لكنه تجنب في أحيان كثيرة الاشتباك مع القوات الصهيونية في مناطق حاسمة أخرى، ما عزز الاتهامات بوجود تفاهمات مسبقة حول حدود النفوذ.

    القدس: البطولة التي لم تُلغِ الشكوك

    أنصار عبد الله الأول يستندون إلى حقيقة مهمة:

    الفيلق العربي منع سقوط القدس الشرقية كاملة بيد القوات الصهيونية، وخاض معارك دامية في باب الواد والشيخ جراح والبلدة القديمة.

    لكن خصومه يرون أن هذه المعارك لم تكن دفاعًا عن فلسطين بقدر ما كانت دفاعًا عن مشروعه السياسي في القدس والضفة الغربية.

    وهكذا بقي السؤال معلقًا حتى اليوم:

    هل قاتل عبد الله من أجل فلسطين؟

    أم قاتل من أجل توسيع مملكته؟

    الوثائق التي فجّرت الجدل

    بعد عقود، كشفت وثائق بريطانية وإسرائيلية عن حجم الاتصالات السرية بين الطرفين.

    بعض الوثائق تحدث عن تنسيق غير مباشر بين الوكالة اليهودية وعبد الله الأول، فيما أشار مؤرخون إسرائيليون مثل آفي شلايم إلى وجود “تحالف غير مقدس” بين الملك الأردني والحركة الصهيونية.

    وقد أثارت هذه الطروحات جدلًا واسعًا في الأوساط العربية والأردنية، خاصة أن الرواية الرسمية الأردنية تؤكد أن الجيش الأردني قدّم آلاف الضحايا دفاعًا عن القدس وفلسطين.

    النتيجة: وطنٌ ضاع… وخرائطُ تغيّرت

    انتهت الحرب بما لم يتوقعه الفلسطينيون:

    أكثر من 750 ألف لاجئ.

    تدمير مئات القرى.

    ضياع القسم الأكبر من فلسطين التاريخية.

    وضمّ الضفة الغربية إلى الأردن لاحقًا.

    أما الفلسطيني نفسه، فوجد أنه لم يكن طرفًا حقيقيًا في تقرير مصيره.

    كانت الأرض تُقسَّم فوق الطاولات، بينما الناس يهربون تحت القصف.

    أخطر ما في النكبة

    لم تكن الصدمة فقط في قوة المشروع الصهيوني، بل في هشاشة النظام العربي نفسه.

    فلسطين لم تسقط لأن إسرائيل كانت أقوى فحسب، بل لأن العرب دخلوا الحرب وهم يحملون مشاريع متضاربة، وحسابات ملكية، وخوفًا متبادلًا، أكثر مما حملوا مشروع تحرير حقيقيًا.

    ولهذا ظل اسم النكبة الفلسطينية ليس مجرد ذكرى لهزيمة، بل رمزًا لسؤال عربي مؤلم:

    كم وطنًا يمكن أن تضيعَه الصفقات السرية قبل أن يدرك الناس الحقيقة؟

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: نكبةٌ صُنعت في الغرف المغلقة: هل خان الملك عبد الله الأول فلسطين؟..بقلم : محمد فتحى السباعى Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top