لم يعد أحد يتعجب من تناقضات الرئيس الأمريكى "دونالد
ترامب" وألعابه البهلوانية ، ولم يكشف حدث ما عبث "سيرك ترامب" قدر
ما فعلت حربه على إيران بتحريض "بنبامين نتنياهو" رئيس وزراء كيان الاحتلال
"الإسرائيلى" ، ففى خلال 48 ساعة لا غير ، تقلب موقف الرجل البرتقالى البهلوانى
من النقيض إلى النقيض ، فقد أعلن قبل نحو أسبوع وبحماس امبراطورى عن ما أسماه عملية
"مشروع الحرية" فى "مضيق هرمز" ، وتحريرالملاحة الدولية فيه من
سطوة إيران ، وحشد "أرمادا" هائلة ، وانطلقت مدمرات وكاسحات ألغام ومئات
الطائرات المقاتلة والمروحيات و15 ألفا من نخبة القوات الأمريكية ، وأعلن فى اليوم
الأول للعمليات عن عبور سفينتين تجاريتين ترفعان العلم الأمريكى ، وتطوعت مصادر أمريكية
متحمسة للإعلان عن زيادة العدد إلى ثلاث ، ورغم أن الرقم بالغ الهزال قياسا إلى حركة
السفن والناقلات قبل بدء الحرب ، وكانت نحو150 سفينة فى اليوم الواحد ، لكن المصادر
الإيرانية أنكرت تماما عبور أى سفينة تحت مظلة الحماية الأمريكية إياها ، وأعلنت فتح
النيران ضد أى مخالفة لقواعد عبور وآلية وضعتها طهران ، وسرعان ما راحت الصور الملتقطة
تؤكد صحة الرواية الإيرانية ، وهو ما تأكد لاحقا بقرار انقلب فيه "ترامب"
على نفسه ، وأعلن وقف وتعليق "مشروع الحرية" ، بعد أن كان أعلن دعودة دول
أوروبية وآسيوية للانضمام إلى حربه فى "مضيق هرمز" ، ولم يستجب أحد لعلم
الجميع بخفة تقديرات الرئيس الأمريكى ، الذى لم يخذل أحدا عاقلا ، ولم يمانع فى إشهار
خسارته المعجلة فى حرب "هرمز" ، وإن أراد تغطية انسحابه المثير بانسحاب آخر
سياسى ، وأعلن أن المفاوضات مع إيران توصلت إلى إتفاق .
ولم يكن الاتفاق
ـ إياه ـ على تسوية لأزمة "مضيق هرمز" ، بل كان على وقف الحرب كلها ، وبحسب
الصيغة التى سربتها مواقع إعلامية أمريكية فى "أكسيوس" وغيرها ، ثم أكدتها
وكالات أنباء دولية نقلا عن مصادر الوساطة الباكستانية ، فقد بدا الاتفاق أقرب لوجهة
النظر الإيرانية فى إطاره العام ، وقيل أنه فى صورة مذكرة تفاهم من 14 نقطة تشغل صفحة
واحدة ، توافقت فى العد الكلى مع ورقة إيران الثانية المعلنة قبلها ، وجوهرها إعلان
وقف الحرب نهائيا ، ثم الدخول فى مفاوضات مكثفة لمدة 30 يوما لاحقة ، تدور حول وضع
"مضيق هرمز" والبرنامج النووى الإيرانى ورفع الحصار والعقوبات الأمريكية
، وقد سبق لإيران أن أبدت استعدادها لفتح "مضيق هرمز" بأوضاع جديدة ، ورفضت
الرغبة الأمريكية فى "تصفير" التخصيب النووى إلى الأبد ، وطرحت فى المقابل
تعليقا موقوتا للتخصيب ، وقبولا بتفتيش دولى ، إضافة للرفض الجازم لإزالة المنشآت والمفاعلات
النووية الإيرانية ، ورفض تسليم نحو 450 كيلوجراما من اليورانيوم المخصب بنسبة تفوق
الستين بالمئة إلى واشنطن ، وبدا أن طهران قد تقبل نقل اليورانيوم عالى التخصيب إلى
دولة ثالثة قد تكون "روسيا" ، وهو ما بدا أن إدارة "ترامب" قد
تتجاوب معه ، فالرئيس الروسى "فلاديمير بوتين" يعلن صداقته وشراكته الاستراتيجية
مع طهران ، والرئيس الأمريكى "ترامب" معروف بولعه الخاص بسيد الكرملين ،
وهكذا جرى سحب "ترامب" على سجادة إيرانية منسوجة بعناية فائقة .
وبمزيج الصبر
والصمود المذهل الذى أبدته إيران ، سواء فى حرب الأربعين يوما قبل وقف إطلاق النار
، أو فى ميادين السياسة والتفاوض بعدها عبر تبادل الرسائل ، نجحت إيران فى تحطيم غرور
"ترامب" ونرجسيته المفرطة ، وجعلت أحاديثه عن الانتصار المطلق مثيرة للسخرية
، فلم يتحقق أى نصر يعتد به لأمريكا أو للكيان "الإسرائيلى" ، ولم ينخدع
الناس بلعبة إخفاء الخسائر الأمريكية مع "الإسرائيلية" ، وخرجت قناة
"سى . إن . إن" الأمريكية بتقرير مصور مثير قبل أيام ، مدته أربع دقائق لاغير
، سجل نجاح القوات الإيرانية فى تدمير شبه كلى ، شمل 16 قاعدة أمريكية فى ثمانى دول
، وتحطيم رادارات متقدمة وطائرات تزود بالوقود وطائرات مراقبة "أواكس" على
الأرض ، وجاء تقرير "سى . إن . إن" ساخرا من ادعاءات "ترامب" وتابعه
"بيت هيجسيت" وزير حربه المفتول العضلات ، وكان "هيجسيت" قد آثار
سخرية عارمة بشهادته أمام لجنة استماع فى الكونجرس ، زعم خلالها أن تكاليف الحرب على
إيران لم تتجاوز 25 مليار دولار ، وسرعان ما كشفت الصحف والتليفزيونات الأمريكية الكبرى
زيف الرقم ، وقالت أن أقل تقديرات التكلفة تزيد على 50 مليار دولار ، وهو ما أوجع
"ترامب" وجنرالاته ، فحاول تخطى الضجة بإعلان عملية "مشروع الحرية"
، وتعظيم الإشادة بالحصار البحرى المفروض على الموانئ الإيرانية ، والادعاء بأن إيران
تنهار ، ومن دون أن يصدقه أحد عاقل هذه المرة أيضا ، بعد أن أفرط فى الانسياق وراء
خيالاته السابحة فى فقاعته الشخصية الخاصة ، وافتعال ادعاء بأنه حقق هدفه الأول فى
تغيير النظام الإيرانى ، بينما كانت الحقيقة المرئية ولا تزال ، أن النظام الإيرانى
بعد اغتيال "آية الله على خامنئى" ، صار أكثر تشددا وتماسكا وجرأة ، وأن
القائد الأعلى الجديد "مجتبى على خامنئى" أقرب لمزاج ومفاتيح "الحرس
الثورى" ، وأن "مجتبى" المصاب جزئيا يدير الحرب والتفاوض من بعدها
، وهو ما يبرز التجانس الأفضل فى قيادة النظام الإيرانى ، وأولوية قرار المرشد الجديد
"مجتبى" ، الذى راجت حوله أوهام العجز عن اتخاذ أى قرار ، بينما كان تخفيه
قرارا مدفوعا باعتبارات أمنية محضة.
وعلى جبهة التفاوض
غير المباشر بعد الانسحاب الأمريكى من جولة التفاوض الأولى فى "إسلام أباد"
الباكستانية ، بدا التصميم الإيرانى ظاهرا على وضع خطوط حمراء فاصلة ، فلم يعد برنامج
الصواريخ الباليستية مطروحا لنقاش ، ولم تعد علاقات إيران مع الحلفاء و"الوكلاء"
مطروحة على جدول أعمال تبادل الرسائل ، ونقلت "طهران" مركز ثقل النقاش إلى
قضية "مضيق هرمز" استثمارا لقلق العالم الواسع من تبعات إغلاقه ، ووضعت الملف
النووى فى مرتبة تالية ، وتحرك وزير الخارجية الإيرانى "عباس عراقجى" من
"إسلام أباد" إلى "مسقط" العمانية وإلى "موسكو" للقاء
الرئيس الروسى ، ثم مؤخرا إلى "بكين" للقاء المسئولين فى الصين ، الذين لا
يخفون تأييدهم لإيران ، ورفضهم للحرب الأمريكية "الإسرائيلية" "غير
المشروعة" ، وكان الرئيس الصينى "شى جين بينج" أعلن تحديه لقانون الغابة
وإهدار القانون الدولى ، وشفعت الصين ـ كما روسيا ـ مواقفها المسئولة المدافعة عن مبادئ
القانون الدولى بترجمات عملية ، وأحبطتا باستخدام "حق الفيتو" مشروعات قرارات
ضد إيران فى مجلس الأمن الدولى ، وهو ما وضع حدا لتحركات موحى بها أمريكيا فى الأمم
المتحدة ، ولم تلتفت الصين إلى تسريبات إعلامية واستخباراتية أمريكية ، تحدثت عن دعم
صينى لإيران فى مجالى الاستخبارات والدفاع الجوى ، خصوصا مع تزويد القوات الإيرانية
بنظام دفاع جوى محمول على الكتف ، بدا وكأنه تطوير "صينى" لصواريخ
"ستريللا" الروسية ، وأسهم فى إسقاط قاذفات أمريكية متطورة تكنولوجيا ، إضافة
لدور صينى وروسى فى دعم برنامج الفضاء الإيرانى وأقماره الصناعية العسكرية ، وفى العلن
امتنعت الصين ـ كما روسيا ـ عن التعليق ، وإن بدا أن الدعم الصينى والروسى كان جديا
فى تزويد إيران بصور أقمار صناعية وإحداثيات لقواعد أمريكية و"إسرائيلية"
، زادت فى كفاءة ودقة ضربات الصواريخ الإيرانية ، ومن دون تجاهل التطور الذاتى الإيرانى
فى مجالى المسيرات والصواريخ ، وهو ما بدت آثاره ظاهرة حتى على جبهة لبنان المتحدية
للعدوان "الإسرائيلى" ، وتعاظم أدوار مسيرات الألياف الضوئية التى أثارت
وتثير ذعر جيش الاحتلال وجنوده وضباطه ، كما تثير ذعر المستوطنين فى مستعمرات الشمال
الفلسطينى المحتل ، وتبنى توازن ردع من نوع مختلف فى الميدان الحربى.
وكما كانت تحركات
طهران باتجاه روسيا والصين فى محلها دوليا ، فقد كانت مواقفها تجاه حلفاء المنطقة فى
محلها الإقليمى ، وبحسب المواقف التفاوضية المعلنة لإيران ، فإن سعيها الرئيسى لوقف
وإحباط الحرب والعدوان عليها ، ترافق أيضا مع سعى جدى لوقف الحرب والعدوان على لبنان
كما إيران ، رغم محاولات الالتفاف الأمريكية ، وجذب لبنان الرسمى إلى مسارات تفاوض
موازية فى واشنطن ، تبعد بها إيران عن السياق اللبنانى ، وتسعى لتوريط السلطة اللبنانية
فى خطيئة اتفاق سلام "إبراهيمى" مع حكومة الاحتلال ، وتوريط الجيش اللبنانى
بالمشاركة مع جيش الاحتلال فى حرب ضد "حزب الله" ، وربما توريط الأطراف اللبنانية
فى حرب أهلية جديدة بدعوى أولوية التخلص من سلاح "حزب الله" ،
وإن كان لا يبدوأن
الطرق ممهدة سالكة لاكتمال الخطة الأمريكية "الإسرائيلية" فى لبنان على هشاشته
، ويتوقف الكثير على مقدرة القوى والأطراف الوطنية اللبنانية ، والتفافها حول محفزات
المناعة الدستورية والقانونية ، وعلى سلوك المقاومة وأنصارها ، وحرصها التاريخى على
السلم الأهلى ، فأغلب اللبنانيين فى استطلاعات رأى جرت ، يعترضون على أى اتجاه للتطبيع
مع كيان الاحتلال وأهدافه التوسعية الإبادية المنظورة .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق