ليست المشكلة فى أن نفرح بمنتخب مصر..
فالفرح حق، بل واجب حين يجتهد من يرتدى قميص الوطن. وليست القضية أن نصفق للاعب بذل
عرقه فى الملعب، فهذا أقل ما يستحقه من جمهور أحب بلاده قبل أن يحب الكرة.لكن المشكلة
تبدأ عندما يتحول الفرح إلى مشروع سياسى، ويصبح المشهد أهم من الحقيقة، وتصبح الكاميرا
أهم من المراجعة، ويصنع انتصار إعلامى أكبر من الإنجاز الرياضى نفسه.
هنا يصبح السؤال واجبا..لماذا العاصمة
الإدارية؟!
ولماذا يصنع الاستقبال بهذه الصورة؟
ولماذا تستدعى الأحزاب، وبعض من يطلقون
على أنفسهم إعلاميين، والهيئات الرسمية، ومديريات الشباب والرياضة، ليبدو المشهد وكأن
مصر حققت معجزة كونية؟
إن الدولة الكبيرة لا تقاس بحجم الزينة،
وإنما بحجم الإنجاز.
ومصر.. ليست دولة تبحث عن أول صفحة فى
تاريخ الكرة.
مصر.. هى صاحبة سبعة ألقاب إفريقية، وأحد
أكبر الأسماء الكروية فى القارة، وكان يمكن أن يكون رصيدها أكبر كثيرا لو لم يلتهم
الفساد والإدارة المرتبكة سنوات طويلة من عمر الرياضة المصرية.
لهذا فإن تقديم ما تحقق باعتباره "إعجازا"
ليس إنصافا لمصر، بل انتقاص من تاريخها.
الأمم الكبيرة لا تحتفل بأنها وصلت إلى
ما اعتادت الوصول إليه، وإنما تسأل؛ لماذا لم نصل إلى أبعد؟
ولماذا لم نصبح بين كبار العالم؟
والأكثر إيلاما أن هذا المشهد يحرم المواطن
البسيط من حقه الطبيعى فى الفرح.
فالفلاح؛ الذى اقتطع من قوت يومه ليشترى
شاشة أو يحجز كرسى فى مقهى ليشاهد مباريات منتخب بلده، والعامل؛ الذى أنهكه العمل ثم
وقف يهتف باسم مصر، هذا هو صاحب الحق الأول فى استقبال المنتخب.
أما أن يتحول الاحتفال إلى مناسبة مغلقة
داخل دوائر النخبة، أو إلى مشهد تصنعه الدعوات الخاصة، فإن الرسالة تصبح واضحة؛هناك
"مصر"، وهناك "Egypt".وهذه
أخطر رسالة يمكن أن تصل إلى الناس.
فالمنتخب ليس منتخب العاصمة، ولا منتخب
طبقة، ولا منتخب حزب، بل منتخب شعب كامل.
ولكى ندرك حجم المبالغة، فلننظر حولنا.
منتخبات مثل الرأس الأخضر وصلت إلى الأدوار
نفسها، رغم أنها دولة حديثة العهد كرويا ولا تملك تاريخ مصر ولا إمكاناتها، ومع ذلك
تعاملت مع النتيجة باعتبارها محطة للتطوير لا نهاية للحلم.
وحين خسرت، قبلت الواقع، وعادت للعمل.
كما أن المغرب سبق أن بلغ أدوارا متقدمة
وصنع إنجازا عالميا، وساحل العاج حققت بطولات قارية كبيرة، لكن القيمة الحقيقية لم
تكن فى حفلات الاستقبال، وإنما فى البناء والإدارة والاستمرار.
الفرق بين الأمم المتقدمة وغيرها، أن الأولى
تعتبر الإنجاز بداية لمسؤولية جديدة، بينما تعتبره الثانية نهاية القصة.
المشكلة الحقيقية ليست فى كرة القدم.
المشكلة فى صناعة الوهم.
حين نصدر لجيل "زد" أن مجرد
المشاركة أو الوصول إلى مرحلة معينة هو نهاية الأحلام، فإننا نقتل داخله قيمة الطموح.
نحن لا نربيه على المنافسة.
بل نربيه على الاكتفاء.
وعندما يتحول الإعلام إلى ماكينة تصفيق،
وتتحول السياسة إلى منصة احتفال، يصبح النقد خيانة، والمراجعة تشاؤما، والحقيقة عبئا
على الجميع.
وهنا يبدأ الانحدار.
كان الأولى أن نجلس جميعا إلى مائدة الاعتراف.
أن نقول للاعبين؛ شكرا على الجهد.
ونقول للمسؤولين؛ أين أخطاءنا؟
وللاتحاد؛ماذا ينقصنا؟
وللإعلام؛ لماذا نصنع أبطالا قبل أن يصنعوا
البطولات؟
وللجمهور؛كيف نحافظ على حلم أكبر؟
هذه هى البداية الصحيحة.
أما صناعة الأساطير من كل خطوة، فهى أسرع
طريق إلى الفشل.
لقد اعتادت بعض الأنظمة فى العالم استخدام
الرياضة لصناعة حالة من الرضا العام أو صرف الأنظار عن الأزمات المعيشية. ومن المهم
أن تبقى الرياضة فى مصر مساحة للوحدة الوطنية والفرح، لا أن تتحول إلى بديل عن النقاش
الجاد فى القضايا العامة أو إلى أداة لتقييم أداء الدولة فى ملفات أخرى.
فالكرة تمنح الناس لحظات سعادة، لكنها
لا يمكن أن تكون بديلا عن التنمية أو الإصلاح أو تحسين جودة الحياة.
نحن - للأسف - نعانى فى كثير من الأحيان
من ثقافة التأليه.
نرفع الأشخاص فوق المؤسسات.
ونمنح التصفيق أكثر مما نعطى التخطيط.ويتقدم
أصحاب الضجيج، بينما يتراجع أصحاب الفكر.
وحين يتصدر المشهد التافهون، يغيب العلماء.وحين
يغيب النقد، يحضر الفشل.
هذه ليست أزمة كرة.إنها أزمة وعى.
إن مصر أكبر من أن تبحث عن بطولة فى الصورة.وأكبر
من أن تقنع أبناءها بأن التمثيل المشرف هو سقف الأحلام.
مصر تستحق أن تدخل كل بطولة وهى تبحث عن
الكأس.
وتستحق أن يكون مشروعها الرياضى مشروعا
عالميا، لا حملة إعلامية مؤقتة.
نريد أن يتعلم جيل "زد" أن النتيجة
ليست نهاية الطريق، لكنها أيضا ليست شيئا يمكن تضخيمه إلى حد الأسطورة.
فالعمل وحده هو الذى يصنع التاريخ.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛
كبروا مصر..
ولا تكبروا الأشخاص.
ازرعوا فى وجدان أبنائنا أن الوطن هو البطل.
وأن الإنجاز الحقيقى لا يحتاج إلى مكبرات
صوت.
بل يحتاج إلى مؤسسات قوية، وإدارة صادقة،
ونقد أمين، وحلم لا يعرف سقفا.
فمصر لم تخلق لتكون رقما على هامش التاريخ..
بل كتب لها أن تكون فى مقدمة المشهد.
وهذا لن يتحقق إلا يوم نقدم الحقيقة على
التطبيل، والعمل على الاحتفال، ومصلحة الوطن على صناعة الأبطال.

0 comments:
إرسال تعليق