• اخر الاخبار

    الخميس، 23 يوليو 2026

    احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن : عبد الناصر..الرجل الذي ستر الفقراء حيا، وبقي بعض ستره بعد رحيله.

     

     


    ليس دفاعا عن رجل رحل منذ أكثر من نصف قرن، فالميت لا يحتاج إلى من يدافع عنه، وإنما دفاعا عن ذاكرة وطن، وعن ملايين البسطاء الذين عرفوا معنى الكرامة لأول مرة، عندما جلس على مقعد الحكم ضابط قرر أن تكون مصر للفلاح والعامل والموظف قبل أن تكون لأصحاب القصور.

    جمال عبد الناصر لم يكن ملاكا، ولم يكن معصوما من الخطأ، فقد أخطأ وأصاب، وانتصر وانكسر، وكانت نكسة يونيو جرحا غائرا في قلب الأمة. لكن التاريخ العادل لا يختزل الرجال في هزيمة، كما لا يصنع منهم آلهة بسبب انتصار.

    لقد كان عبد الناصر مشروعا للعدالة الاجتماعية قبل أن يكون مشروعا للسلطة.

    أنا ابن الرجل الذي عمل في شركات القطاع العام التي أنشأها عبد الناصر، فلم يعد أجيرا يخشى أن يطرده صاحب العمل إذا مرض أو كبر، بل أصبح مواطنا له راتب يحفظ كرامته، وتأمين صحي يعالجه، ومعاش يصون شيخوخته حتى رحل عن الدنيا مرفوع الرأس.

    وأنا ابن المدارس الحكومية التي كانت تفتح أبوابها لأبناء الفقراء دون مقابل، نتلقى العلم والكتب، ونحلم بمستقبل لا تحدده ثروة الأسرة، بل تحدده قدرة الطالب واجتهاده.

    وأنا ابن الجامعات المصرية التي خرجت آلاف الأطباء والمهندسين والمعلمين والقضاة دون أن تتحول إلى تجارة، ودون أن يتحمل الأب فوق طاقته ليعلم أبناءه.

    وأنا ابن زمن كانت فيه الصناعة الوطنية عنوانا للعزة، وكانت مؤسسات القطاع العام مصانع للحياة، لا عبئا يجب التخلص منه.

    لقد سترنا عبد الناصر حيا.. وسترنا ميتا.

    نعم.. فما بقي من مؤسساته وسياساته الاجتماعية ظل يحمي أجيالا كاملة بعد رحيله. وحين ضاقت الأحوال، عاد كثيرون إلى بيع المصانع والشركات التي قامت في عهده، وكأنهم كانوا يعيشون على ميراث الرجل وهم يهاجمونه في الوقت نفسه.

    إن النقد حق، بل ضرورة، لكن تحويل التاريخ إلى محكمة لا تسمع إلا شهادة الاتهام ظلم للحقيقة.

    من حق الناس أن يناقشوا تجربة عبد الناصر، وأن يختلفوا معها، لكن ليس من الإنصاف أن تمحى إنجازات صنعت حياة ملايين المصريين، ولا أن يتجاهل انحيازه الواضح للفقراء والعمال والفلاحين والطبقة الوسطى.

    لقد أعاد توزيع الأرض، ووسع مجانية التعليم، ورسخ حقوق العمال، وبنى المصانع، وأقام السد العالي، ورسخ فكرة أن للدولة دورا في حماية مواطنيها، لا أن تتركهم نهبا لقوانين السوق وحدها.

    ربما تغيرت الأزمنة، وربما تغيرت السياسات، لكن يبقى السؤال حاضرا؛

    لماذا لا يزال اسم جمال عبد الناصر حاضرا في وجدان البسطاء بعد كل هذه السنوات؟

    لأن الإنسان لا ينسى من حفظ له كرامته، ولا ينسى من جعله يشعر أن الوطن بيته، وأن الدولة سند له لا خصم منه.

    رحم الله جمال عبد الناصر..

    سيبقى المختلفون حول تجربته كثيرين، لكن ستبقى أيضا حقيقة لا يستطيع أحد محوها؛أن الرجل انحاز يوما لمن كانوا الأكثر عددا والأقل حظا، وأن ملايين المصريين ما زالوا يرون في عهده زمنا كانت فيه العدالة الاجتماعية حلما اقترب من الواقع.

    #فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛رحم الله رجلا قد يختلف الناس في السياسة حوله، لكنهم لن يستطيعوا أن يمحوا أثره من ذاكرة وطن عرف في عهده، أن للفقراء نصيبا من الحلم.. ونصيبا من الكرامة.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع ..حافظ الشاعر يكتب عن : عبد الناصر..الرجل الذي ستر الفقراء حيا، وبقي بعض ستره بعد رحيله. Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top