• اخر الاخبار

    الجمعة، 10 يوليو 2026

    "التاسعة صباحا"..قصة قصيرة بقلم : عامر الشيباني

     




    كان لا بد له أن يبدأ يومه بالذهاب إلى المستشفى القابع في أطراف المدينة حيث ترقد زوجته في جناح الجراحة العامة منتظرة دورها لإجراء عملية قلب مفتوح.

    حدد الطبيب الجراح تمام الساعة التاسعة من صبيحة يوم الثلاثاء موعد إجراء العملية، جاء ذلك بعد ستة أشهر عجاف من الانتظار بين مئات المرضى، المحتشدين على قوائم لإجراء العمليات.

    استيقظ الساعة السادسة والنص صباح اليوم المنتظر مرعوبا، حيث رأى في منامه ما يقض مضجعه بعد ليلة قضاها قلقا..  بدأ بحزم ملابسها وأعد أغطية، إذ قد تطول إقامتها في المستشفى لعدة أيام، أيقظ أطفاله الثلاثة من نوم عميق، وأعد لهم الفطور، تناولوه على مضض، فهم لم يعتادوا تناول الطعام في مثل هذه الساعة المبكرة من اليوم، حيث يمضون شطرا كبيرا من الليل ساهرين قبل أن يهجع كل منهم إلى فراشه، هذا ما اعتادوا عليه منذ بدء العطلة الصيفية، إذ نادرا ما يجتمعون على مادة الفطور ، بسبب استيقاظهم في ساعات متأخرة تقارب الظهيرة، أو تتعداها في أحيان كثيرة.

    أخذهم بالسيارة إلى بيت جدتهم حيث تنتظرهم أخت زوجته الصغرى، في حين تبيت أمها في سرير أعد لها إلى جانب بنتها في الجناح الخاص في المستشفى.

    أودع الأطفال في بيت الجدة، وهرع في طريقه إلى المستشفى، وهو على الطريق توقف عند مطعم يقدم الكباب، اشترى منه لعمته أم زوجته، ومضى في سبيله.

    وعلى ذلك الطريق انفرط عقد شريط ذكرياته مع حبيبة صباه وأم أولاده، وقصة الحب العنيفة التي قوبلت بالرفض من أهلها والتي استمرت خمس سنوات محاولا، حتى حظي بالقبول أخيرا، محتملا شروط عمه على مضض والتي أثقل بها كاهله، كان أسعد رجل على وجه البسيطة، حتى اختصر فترة الخطوبة وحفل الزفاف إلى شهر واحد، تاركا نصائح أهله وأصدقائه بالاستمتاع بالخطوبة خلف ظهره، شعر أنه في سباق للظفر بالجائزة، أكمل جميع متطلبات العرس بوقت قياسي، وجاء يوم اجتماعه بحبيبته تحت سقف واحد، وهو مزهو، إذ شعر بالنصر أخيرا.

    تذكر ليلتهما الأولى، وهو يهمس في أذنها، والفرح يتطاير من عينيه: أخيرا أنت في بيتي، وهي تلتحف بالخجل ضمها بين ذراعيه كمن يحمي جوهرته الثمينة من غوائل الزمن.

    كانت أمها قريبة من غرفة العروس، حجزوا غرفة لها في الفندق، وفي الصباح تعالت زغاريد أمها، وجللت ضحكاتها أرجاء المكان، بعد إثبات طهرها.

    دارت الأيام سريعا، ورزقا بطفلتهما الأولى ثم طفلين آخرين خلال أربع سنوات، دون تخطيط مسبق، وهذا ما جعلهما مادة لتندر العائلة والأصدقاء وسببا للضحك.

    وبعد مرور ست سنوات على الزواج ، بدأت الزوجة تشكو لزوجها تعبا وألما في كتفها، مطمئنة أنه بسبب إجهاد الواجبات المنزلية، لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، بدا التعب واضحا عليها ونوبات الألم تتكرر، ألح زوجها عليها لمراجعة طبيب، لكنها رفضت، وأكدت أنها تحتاج إلى راحة لتستعيد قوتها، واقترح أن يسافروا إلى شمال العراق طلبا للراحة، وافقت الزوجة على الفور، وبعد أسبوع كانوا قد وصلوا إلى أحد المصايف لقضاء أسبوع فيه، وفي اليوم الثاني في المصيف، داهمها وجع كبير في صدرها، نوبة الألم هذه المرة كانت أقوى من سابقاتها.

    قطع الزوج سفرته واتصل بعيادة طبيب، بعد معاينتها، تسمر الزوج في كرسيه وملأ الخوف قلبه حين قال الطبيب: إن ثمة علة في القلب وتحتاج إلى استبدال صمام، أجابه: ما العمل الآن؟

    قال الطبيب: يجب إجراء عملية لاستبدال الصمام في أقرب وقت خوفا على حياتها.

    رغم أن تكلفتها باهظة أجاب الزوج: نحن جاهزون

    ليتفاجأ بعدها أن جدول المواعيد مزدحم وأن لديهم ستة أشهر لحين وصول دورهم لإجراء العملية.

    عادا إلى البيت يحملان كيس الأدوية وملف الفحوصات، وساد الصمت وهو يغرق في تفكيره كيفية جمع المال، وهي تسند رأسها إلى زجاج النافذة، تملكها الخوف ولعبت برأسها الوساوس من الموت والفقد، التفت إليها يوصيها الالتزام بالراحة وبتعليمات الطبيب، أجابته: ومن يهتم بالأطفال والبيت؟، طمأنها قائلا: إنه سيساعدها في كل شيء حتى تشفى

    وصل قرب المستشفى ورائحة الكباب ملأت جيوب أنفه، أشاح بنظرة خاطفة عن الطريق ليمد يده نحو كيس الكباب، وفي تلك اللحظة شعر بارتطام شيء صلب بمقدمة السيارة، وجسد يتدحرج على غطاء المحرك ثم يحطم الزجاج الأمامي.

    صرخ من شدة الصدمة ونهض من فراشه وهو يتصبب عرقا، نظر حوله وهو ما يزال مستلقيا في الفراش، وأن الساعة الآن تشير إلى السادسة والنص صباحا، لم يكن هناك حادث ولا كباب، وأمامه ساعتان ليجهز أطفاله ويمضي بهم إلى بيت نسيبه، ثم يهرع إلى المستشفى حيث ترقد زوجته بانتظار عملية استبدال صمام القلب في الساعة التاسعة صباحا.

     


    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: "التاسعة صباحا"..قصة قصيرة بقلم : عامر الشيباني Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top