كما ذكرنا في المقالة السابقة (الجزء الأول) ان التناص في النقد الحديث بانه (العلاقة التفاعلية بين نص تصويري ونصوصا سابقة او معاصرة), ويعني ذلك ان اي نص تصويري هو استلهام من البيئة الطبيعية بالدرجة الأولى او الاجتماعية ولا يولد من فراغ, بل هو مركب من نصوص اخرى من اقتباسات لمفردات الطبيعة او من نصوص أدبية او دينية أو أسطورية، يتم استلهامها وصهرها داخل النص التصويري الجديد.
وعلى هذا الأساس تبرز ظاهرة التناص واضحة بين فنون وادي الرافدين القديمة ووادي النيل. كما في الامثلة التالية.
يظهر التناص (تأثير ومؤثر) في سمات التكوين الفني للفن الرافدي و الفرعوني، بانه مقسم الى اشرطة افقية متراكبة الواحدة فوق الأخرى، وبروز الشخصية الرئيسية في العمل مثل ( الأله او الملك) وبهيئة أكبر حجما من بقية الشخصيات، وتتصف بأن (الرأس والاقدام بشكل جانبي والعين والصدر بشكل أمامي) (الشكلين 2,1), كما وجد التناص في احداث الموضوعات المنتخبة، (كجلوس الألهه على كرسي العرش الألهي، ويتقدم لها صفوة الشخصيات لأستلام شارات السلطة او شرائع الحكم )(الشكلين السابقين). ويظهر التناص ايضا، في ازدحام الشخوص في مواضيع المعارك والحروب التي يخوضها الملوك(الشكلين 4,3).
ومما يثير الانتباه ان من العناصر التكوين في حركة المقاتلين اثناء رميهم ( بالقوس والنبال ), ان الوتر الاعلى للقوس لايمر من وجه الملك او المقاتل ( مخافة من تشويه الوجه) كما في (الشكلين 6,5)، بل في ذلك (خداع بصر ـ فالعين يهيء لها بان الوتر موصول دأئما)،
وما يثير الانتباه ايضا وجود (ظاهرة الأختزال) عند رسم او نحت عربة الملك ، يظهر الفنان الرافدي والفرعوني ، عجلة واحدة (الأمامية) ولا يظهر الثانية، كما يظهر حصان واحد امامي ولا يظهر الخيول الثلاث الخلفية، وانما يشير الى عدد الريش فوق رؤوس الخيول، فاذا كانت ريشتين فيعني ذلك بان العربة يسحبها حصانين، واذا كان عدد الريش 4 فيعني ذلك ان العربة يسحبها 4 خيول. بالاضافة لذلك تتشابه مفردات التكوين لدى (الرافدي والفرعوني) بوضع الاعداء المهزومين تحت خيول العربة، ومرافقة النسور (الطيور الحارسة)* للعربة الملكية كما في (الشكلين 8,7).، كما تظهر ظاهرة (الاختزال) برسم اثنين من ارجل كرسي العرش الملكي، واخفاء الثالث والرابع، حينما تكون الكرسي بشكل جانبي امام المتلقي (الشكلين 27,26)
كما يظهر التناص في كلا التكوينات (للرافدي والفرعوني) بان الالهه اثناء تقدمها للأله الكبير، تتقدم وهي على ظهور حيواناتها المرافقة (الشكلين 10,9). كما يظهر التناص في استخدام (الدبوس ـ المكوار بالمحلية العراقية) لمعاقبة الاعداء (الشكلين 12,11). كما يظهر التشابه قاىما في زخارف الأشرطة المؤطرة للعمل الفني المكونه من زهور (الاقحوان** واللوتس*** والاشكال الهندسية المكررة من (المربعات)(الاشكال 14,13, 16,15).
ومن اشكال البيئة الطبيعية التي تظهر للعيان في كلا النتاجات الفنية للحضارتين، هي رسم (اشجار النخيل والصنوبر والصفصاف) (الشكلين 18,17). كما تظهر الطيور التي تحط على الأشجار بحجم كبير نسبة لحجم الاشجار (الشكلين 23,22,21). كما تظهر الكائنات المجنحة أمام الألهة (الاشكال 25,24).
ومن الاشكال المهمة ولها قدسيتها لدى المصريين والعراقيين القدماء، هو ظهور (الشجرة المقدسة)**** والكائنات الأسطورية تحميها من الجانبين (الشكلين 20,19).
وفي ضوء ذلك، وما ينطوي عليه التناص بين مفردات التكوينات الفنية للحضارتين هو ظاهرة ايجابية في الفنون الجميلة, اذ ان (الحضارة التي لا تؤثر ولا تتأثر تبقى عقيمة ولا تتطور)، والتناص قائم بين الحضارتين في مجالات اخرى منها (الادبية، والمعمارية) والتي سنتطرق لها في الجزء الثالث من هذه السلسة من المقالات ، فكانت حضارة وادي الرافدين (تتاثر وتؤثر) في الحضارة الفرعونية ، والعكس صحيح.
--------------------------
*الطيور الحارسة: غالباً ما تظهر نقوش طيور جارحة (كالنسور) أو طيور مقدسة وهي تحلق أو تقف على أغصان هذه الشجرة، لتكون حارسة للطبيعة والملك لارتباطها الديني، كأن يُعتقد أن هذه الطيور تمثل قوى إلهية أو أرواحاً حارسة تبارك المملكة.
** الاقحوان : زهرة برية تنبت في ايام الربيع، لها استخدماتها الطبية والتزينية لدى العراقيين القدماء, فكان يرتديها الملوك على معصمهم، ويزينون تيجانهم بها.
* زهرة اللوتس الفرعونية: هي زهرة مقدسة لدى المصريين القدماء، عرفت بـ"زهرة الشمس" لارتباطها بدورة حياة والبعث. وكانت ترمز للجمال والحياة.
** الشجرة المقدسة: واحدة من أبرز الرموز الفنية والدينية في بلاد الرافدين، والمعروفة بـ "شجرة الحياة" الآشورية. كانت هذه الأشجار تُرسم على جدران القصور الملكية (مثل قصر آشوربانيبال في نينوى وقصر اشور ناصر بال في النمرود)، وتحمل دلالات عميقة ومقدسة، وهي رمز للخصوبة، والنماء، وتجدد الحياة.

0 comments:
إرسال تعليق