ليست الثورات لحظاتٍ عابرة في التاريخ، بل هي محطات تعيد تشكيل الدولة وفق احتياجات العصر. وإذا كانت ثورة 23 يوليو 1952 قد أنجزت مهمة تحرير الإرادة الوطنية وبناء الدولة الحديثة، فإنها لم تستطع، رغم ما حققته من إنجازات، أن تبلغ الاكتمال في كل جوانب القوة، لأن بناء الجيوش لا يقف عند امتلاك السلاح، بل يقوم على امتلاك فلسفة الردع وتحديث أدوات القتال بصورة مستمرة.
لقد أعادت ثورة يوليو بناء الجيش المصري
على أسس وطنية، ووسعت قاعدة التصنيع الحربي، وأرست مفهوم الاستقلال العسكري، لكن هزيمة
يونيو 1967 كشفت أن الحروب الحديثة لا تُحسم بالشجاعة وحدها، وإنما بالتكنولوجيا والتكامل
بين الأفرع الرئيسية للقوات المسلحة، وكان من أبرز الدروس المستفادة ضرورة إنشاء قوة
متخصصة لحماية سماء الوطن من التفوق الجوي المعادي.
ومن هنا بدأ ما يمكن وصفه بـ"طريق
التصحيح". ففي الأول من فبراير 1968 أُنشئت قوات الدفاع الجوي المصرية كفرع رئيسي
مستقل من القوات المسلحة، ثم جاء بناء حائط الصواريخ، الذي اكتمل في 30 يونيو
1970، ليغيّر موازين القوى ويكسر أسطورة السيطرة الجوية الإسرائيلية، ويصبح أحد أهم
أسباب النجاح العسكري الذي تُوِّج بانتصار أكتوبر 1973. ولذلك اتُّخذ يوم 30 يونيو
عيدًا لقوات الدفاع الجوي، باعتباره يوم اكتمال هذا الإنجاز العسكري التاريخي.
إن فلسفة القوة لا تعرف السكون؛ فكل جيل
يواجه تهديدات تختلف عن سابقيه، ولذلك يصبح التطوير المستمر ضرورة وجود لا ترفًا سياسيًا.
ومن هذا المنطلق يرى كثيرون أن مرحلة ما بعد 30 يونيو 2013 شهدت توسعًا كبيرًا في تحديث
منظومات التسليح، وتنويع مصادر السلاح، وتعزيز قدرات القوات المسلحة في مختلف الأفرع،
بما يتوافق مع طبيعة التحديات الإقليمية الجديدة.
وهكذا يبدو التاريخ وكأنه سلسلة مترابطة
لا حلقات منفصلة؛ فثورة يوليو أسست للدولة الوطنية، وحرب الاستنزاف صححت أخطاء الهزيمة
ببناء الدفاع الجوي، وانتصار أكتوبر أثبت قيمة العلم والتخطيط، بينما استمرت مراحل
التطوير اللاحقة في ترسيخ فلسفة الردع الشامل.
إن الأمم التي تتوقف عن مراجعة تجربتها
العسكرية تفقد قدرتها على حماية مستقبلها. فالقوة ليست في امتلاك السلاح فقط، وإنما
في القدرة على تطويره، وإدارته، وصناعة عقيدته، وتحويله إلى رسالة سلام تحمي الوطن
ولا تعتدي على أحد. وهذه هي الفلسفة التي تجعل التاريخ عملية بناء مستمرة، لا مجرد
احتفال بذكريات الماضي.

0 comments:
إرسال تعليق