تتجلى عبقرية الفنانيين العراقيين والمصريين القدماء في فنون
حضارة (وادي الرافدين ووادي النيل)، بعدهما مهدَين للحضارات في العالم القديم،
وكونهما من الحضارات الزراعية، اللتان اقيمتا على ضفاف (دجلة والفرات والنيل)،
استطاع الفنانون تسخير بيئتهم الجغرافية و الطوبغرافية, وتحويلها الى نتاجات فنية
ومعمارية أنعكست في طبيعة افكارهم ومعتقداتهم وفنونهم وعمارتهم ، وتم تبادل
الخبرات والمهارات الفنية والحرفية عبر الوسائل التجارية والمراسلات الدبلوماسية
لملوك البلدين. فكانت ظاهرة التناص تاخذ طريقها في الظهور بين فنون الحضارتين،
بعدها لغة بصرية تحاول ايصال رسالة حضارية للمتلقي من خلال لغة الأشكال والالوان.
وفيما يخص موضوعة
بحثنا هذا، فقد تجلت ظاهرة التناص (المؤثرات والتأثيرات) واضحة فيما اسلفنا من
مقالات سابقة، وأما في هذا المقال حيث يمكننا التركيز على التناص في مجال العمارة،
وبعض المنحوتات على النحو الأتي:
حيث نجد التقارب في الهيئة البنائية لشكل الكوخ المصري القديم،
وشكل الكوخ اوالمضيف العراقي (الشكلين 2,1), وظهور المصاطب بسماتها المعمارية
(الطلعات والدخلات)(الشكلين 4,3) , وطريقة التزيبن المعماري (الموزائيك
السومري)(الشكلين6,5), كما يظهر التناص واضحا في الهيئة العامة لشكل الهرم الهندسي
في كل من الزقورة السومرية (زقورة أور) والهرم الفرعوني (هرم زوسر
المتدرج)(الشكلين8,7)، والامر الذي يثير الانتباه انه قد ظهر في تزيين أنية فخارية
من بابل القديمة, نقش عليها (الأله يمنح فكرة بناء الزقورة او الهرم)(الشكل 9).
ان سيميائية الرموز والأيقونات وظهور الكائنات المركبة
(سفنكس)(كائن برأس انسان او طائر وجسم أسد او ثور واجنحة نسر) في كلا الحضارتين،
كما في ( الاختام الاسطوانية السومرية وابي الهول الفرعوني)(الشكلين 11,10)، وظهور
الألهه الحامية كما في (الاله حورس المصري) و (الأبكالو الأشوري).(الشكلين13,12)،
دليل على لغة الحوار والتلاقح الحضاري بين البلدين.
ان بروز ظاهرة التناص في بناء الحضارات القديمة، هي ظاهرة
ايجابية بما ينطوي عليها رأي المتواضع (
ان الحضارة التي لا تؤثر ولا تتأثر هي حضارة عقيمة وغير قادرة على التطور في جميع
مجالات الحياة).
**ملحــــــــــــــوظـــة
وللمزيد من تفاصيل هذه التناصات يراجع كتابي (كشوفات وتأويلات
سيميائية في فنون حضارة وادي الرافدين).للباحث ..أ.فن.د.هاني محي الدين الأحمد
..................................
وفي هذا الصدد عقب د. حسن الأمير برأيه حول هذه التناصات
بالاتي:
تمثل هذه النصوص البصرية حوارا ثقافيا نموذجًا رصينًا لاستعادة
الذاكرة البصرية للحضارات إذ ينطلق البحث من مفهوم التناص بوصفه أداةً نقدية تكشف
مسارات التأثير والتفاعل بين حضارتي وادي الرافدين ووادي النيل بعيدًا عن الرؤية
التي تختزل العلاقة في مجرد تقارب جغرافي أو تاريخي. فالرموز والأشكال والبنى
التشكيلية ليست عناصر معزولة وإنما هي خطاب بصري يحمل ذاكرة الإنسان ويعكس انتقال
الأفكار وتحولاتها عبر الأزمنة.
وتبرز أهمية هذا الطرح في أنه يعيد قراءة الفن بوصفه وثيقة
حضارية تتجاوز حدود الزخرفة والجمال إلى فضاء الفكر والثقافة، حيث يغدو العمل
الفني شاهدًا على حوار الحضارات واستمرارها. كما أن استحضار المقاربة السيميائية
يمنح البحث عمقًا منهجيًا لأنه يفسر العلامات والرموز ضمن سياقاتها الحضارية،
ويكشف عن الجذور المشتركة والخصوصيات التي أسهمت في تشكيل تاريخ الفن الإنساني.
إن مثل هذه التناصات تمثل إضافة نوعية للمشهد الثقافي العربي
لأنها تؤسس لوعي نقدي يعزز فهم الهوية البصرية للحضارات القديمة ويفتح آفاقًا جديدة
أمام الباحثين والفنانين لاستلهام التراث بروح معاصرة، تجمع بين أصالة الجذور
وثراء الرؤية الأكاديمية.

0 comments:
إرسال تعليق