قبل أسابيع طويلة نسبيا ، وبتاريخ 6 يونيو 2026
، توقعنا أننا "ذاهبون إلى حرب أوسع" فى مقال حمل العنوان نفسه ، وقبل أيام
، بدأت الحرب الموعودة ، صحيح أنها اختلطت هذه المرة بأحاديث خافتة عن إمكانية العودة
إلى المفاوضات بين أمريكا وإيران ، لكن الحرب الجديدة بدت جمعا ومزجا ، جمع للحرب التى
استمرت لنحو أربعين يوما منذ 28 فبراير 2026 ، مع ما جرى بعدها من صدامات حربية متواترة
، ومن حصار بحرى أمريكى خانق على الموانئ الإيرانية
، ومن عمليات أمريكية جرت مرات لفتح "مضيق هرمز" بالقوة ، وأعطاها الرئيس
الأمريكى "دونالد ترامب" اسم "مشروع الحرية" ، وكان الفشل الأمريكى
فيها متكررا .
ورغم
أن كيان الاحتلال "الإسرائيلى" لم يشارك رسميا فى الحرب الجديدة المجمعة
حتى وقت كتابة هذه السطور ، إلا أن المشاركة الإسرائيلية متوقعة
جدا ووشيكة للغاية ، رغم ما يقال عن استبعادها
من حسابات "ترامب" ، ثم أن "إسرائيل" تقوم بأدوارها الحربية بالفعل
على جبهة لبنان ، ولم تتوقف عنها لحظة ، ودون أن تحد منها جولات المفاوضات المباشرة
بين "إسرائيل" والسلطة اللبنانية ، التى تقرر نقلها مؤخرا إلى مقر السفارة
الأمريكية فى "روما" عوضا عن المقر الرئيسى للخارجية الأمريكية فى
"واشنطن" ، بعد أن ثبت تعثر ما أسمى "اتفاق الإطار" ، فلا هو اتفاق
ولا إطار، ولم تجر خطوة واحدة لتنفيذه ، خصوصا مع "الاستعباط" و"الاستهبال"
"الإسرائيلى" ، وطرح خيار "مناطق تجريبية" فى قرى صغيرة لم تحتلها
القوات "الإسرائيلية" بعد ، ومطالبة الجيش اللبنانى بالدخول إليها جنوب وشمال
"الليطانى" ، وبدء حرب فيها مع مقاتلى "حزب الله" لنزع سلاحهم
، وهو ما زاد من اتساع نطلق المعارضة اللبنانية لما أسمى "اتفاق الإطار"
الوهمى ، واختراق العدو "الإسرائيلى" لكل اتفاقات وقف إطلاق النار ، وتحويلها
إلى مجرد عتبات توطئة لمزيد من فتح النيران ، وعمليات التجريف والهدم بالجملة .
ولا أحد يتوقع أن تنسحب "إسرائيل" طوعا من الجنوب اللبنانى ، ثم أن
"اتفاق الإطار" ومناطقه "التجريبية" المصممة أمريكيا ، لا يتحدث
عن أى انسحاب "إسرائيلى" ، بل عن مجرد "إعادة انتشار" محكومة بالاعتبارات
الأمنية التى يراها "الإسرائيليون" ، وشئ من ذلك مع اختلاف الظروف فعله الأمريكيون
، فلم يلتزم الأمريكيون أبدا بأى بند فيما أسمى "مذكرة التفاهم " الأمريكية
الإيرانية ، وأهدرت واشنطن دم أول بنودها الخاص بوقف الحرب على جميع الجبهات خاصة لبنان
، ولم تتوقف يوما عن التحرشات الحربية على جبهة القتال الأساسية فى إيران ، وتظاهرت
برفع الحصار البحرى ورفع عقوبات تصدير البترول الإيرانى ومشتقاته ومنتجاته البتروكيماوية
، ثم عادت أخيرا إلى إعادة فرض ما جرى رفعه مؤقتا ، بعد أن أعلن "ترامب"
فى قمة "أنقره" الأطلنطية عن انتهاء سريان مذكرة التفاهم ، ربما ليخفف من
الانتقادات الداخلية الأمريكية ضدها ، وضد نتائج حربه مع إيران ، التى تقارب اليوم
نحو الخمسة شهور ، وانتهت إلى فشل مزدوج فى مراحل السلاح والتفاوض معا ، وزادت نسبة
المعارضين لها فى أوساط الرأى العام الأمريكى إلى ما يزيد على السبعين بالمئة .
وبدا أن "ترامب" يحارب طواحين الهواء ، فهو يعلن عشرات المرات ، أنه
انتصر وجرد إيران من كل قوة ودفعها لاستسلام غير مشروط فى "مذكرة التفاهم"
، ثم يعود للانقلاب والانتقام من دليل استسلام إيران حسب أقواله ، ويعود لإعلان حرب
ضد سلاح إيران الذى دمره بحسب أقواله ، ويمد نطاق الغارات الجوية الأمريكية إلى كل
مناطق السواحل الإيرانية ، وليس فقط فى الموانئ والمدن والجزر القريبة جدا من
"مضيق هرمز" ، ويعلن أن حملته الحربية الجديدة قد تستمر لأسبوعين أو ثلاثة
، وأنه سيدمر كل المواقع النووية الإيرانية ، وكان قد أعلن مرارا أنه أبادها ومحاها
جميعا ، وإن أضاف هذه المرة موقعا سريا جديدا تحت جبل "الفأس" ، وكلنا يذكر
ما قاله فى "حرب الإثنى عشر يوما" خلال يونيو 2025 ، وإعلانه أن عملية
"مطرقة منتصف الليل" دمرت مفاعلات "فوردو" و"نطنز" و"أصفهان"
، وتفاخره بدور القاذفات النووية "بى . 2" ، التى نفذت القصف ، وبأم القنابل
خارقة التحصينات الأمريكية "جى . بى . يو 57" ، التى تزن الواحدة منها نحو
14 طنا ، وها هو يعود اليوم إلى التهديد ضمنا باستخدام القاذفات النووية "بى
. 52" الأقل تطورا من "بى ـ 2" واستخدام القنابل الثقيلة لتدمير موقع
"جبل الفأس" السرى الأشد تحصينا من موقع "فوردو" ، وكأنه ينتظر
شيئا آخر غير الفشل العظيم ، الذى حققه فى حرب "الإثنى عشر يوما" و"حرب
الأربعين يوما " .
لا نعنى ـ طبعا ـ أن القوة الأمريكية الأعظم فى العالم ، ليست قادرة على مزيد
من القتل والتدمير ، ولا أن إيران ـ بالمقابل ـ تملك سلاحا وتكنولوجيا أفضل مما تمتلكه
أمريكا ، بل نقصد أن واشنطن مهما ملكت ودمرت ، ليست قادرة هذه المرة أيضا على تحقيق
النصر ولا تحقيق أهداف حربها مهما توسعت ، وإن كان "ترامب" يتخبط هذه المرة
فى صياغة هدفه المباشر ، ويركز أحيانا على ما يسميه فتح "مضيق هرمز" ، أو
انتزاع السيطرة على المضيق من القوات الإيرانية ، بينما يزعم أنه فتح المضيق بالفعل
، ويطلب هذه المرة من كل سفينة أو ناقلة بترول عابرة ، أن تدفع له "إتاوة"
عبور بنسبة 20% من قيمة حمولتها ، ولم نسمع من دول المنطقة ، ولا من دول العالم المستفيدة
من مبدأ "حرية الملاحة" فى "مضيق هرمز" ، أن أحدا ـ خليجيا بالذات
ـ اعترض على "إتاوة" "ترامب" ورسوم العبور التى أعلن عنها ، رغم
أن الجميع جاهروا بالاعتراض الصاخب على رسوم الخدمات ـ لا رسوم العبور ـ التى أعلنت
إيران المشاطئة للمضيق عنها ، بينما أمريكا البعيدة بآلاف الأميال ، تريد فرض رسوم
عبور باهظة التكاليف ، ومن دون أن يعتبرها أحد من المعنيين خروجا على قواعد القانون
الدولى ، أو خرقا لمعاهدة البحار ، مع أن الموقف القانونى الأصلى لأمريكا وإيران من
المعاهدة المذكورة هو نفسه ، فلم تصادق إيران على قانون البحار ، كما لم تصادق أمريكا
، وما من تفسير للإزدواجية الفاضحة فى مواقف المستفيدين من حرية المرور المجانى ، سوى
أن الدفع لأمريكا عندهم فرض وسنة واجبة الإتباع ، بينما الدفع لإيران خروج عن الملة
"الإسرائيلية" أو "الإبراهيمية" التى جبلوا عليها (!) .
وربما يكون السبب فى تناقضات القوم العجيبة ، أن "ترامب" يعدهم بإسقاط
النظام الإيرانى ، وهو يدعى أنه أسقط نظامين إيرانيين منذ اغتيال السيد "على خامنئى"
صباح 28 فبراير 2026 ، وأنه فى سبيله هذه الحرب لإسقاط النظام الثالث ، ومن دون يعرف
أحد معنى "هلوساته" ، فالنظام الإيرانى واحد كما هو منذ وقت "خامنئى"
الأب ، بل أنه صار أكثر تشددا وتماسكا ومخاطرة وجرأة مع تولى المرشد الجديد "مجتبى
خامنئى" ، وكان الوداع الأسطورى المليونى دليلا شعبيا على الوفاء والاستمساك بنهج
"خامنئى" الأب ، وأثبتت الحروب التى توالت ، أن النظام الإيرانى بقاعدته
الشعبية الواسعة ، ليس من النظم المعلقة التى تزول بقطع الرأس ، بينما "ترامب"
يعيش فى فقاعته الشخصية ، ويعتقد أنه المستهدف لا غيره برايات الثأر الحمراء فى جنازة
"خامنئى" الأسطورية ، ويريح نفسه بزعم أن "مجتبى" قتل هو الآخر
، ويقول فى تصريح علنى جهير ، أن "مجتبى" قتل بنسبة 92% ، نفس النسبة تقريبا
، التى قال أنه دمر بها مخازن الصواريخ الإيرانية ومدنها تحت الجبال ، بينما قالت تقارير
المخابرات المركزية الأمريكية نفسها ، أن إيران لا تزال تحتفظ بأكثر من تسعين بالمئة
من ترسانتها الصاروخية الباليستية ، وهى قراءة إحصائية معاكسة تماما لمزاعم "ترامب"
وجنرالاته ، تقول أيضا ، أن إيران نجحت فى إصلاح أضرار تدمير لحق بمداخل مدن الصواريخ
الإيرانية فى بطون الجبال ، وأن إنتاج إيران للصواريخ والمسيرات لم يتوقف أبدا.
والخلاصة ببساطة ، أنه لا بأس فى أن يجرب "ترامب" حظه الحربى مجددا
، وخسارته مضمونة فى مطلق الأحوال ، حتى لو كرر حروبه ألف مرة ، فلم تنتصر أمريكا فى
عشرات حروب شنتها بعد الحرب العالمية الثانية ، والأرجح أنها لن تنتصر أبدا فى حربها
على إيران ، سواء خاضتها وحدها ، أو مع ربيبتها "الإسرائيلية" ، والسبب ظاهر
، فلم ينتصر العدو الأمريكى "الإسرائيلى" فى "الحروب غير المتناظرة"
التى جرت فى المنطقة خلال نحو الثلاث سنوات الأخيرة ، ولم تتحقق أهداف العدو كاملة
، وظلت هذه الحروب فى حالة غير منتهية ، ولم تنهزم جماعات المقاومة الفلسطينية واللبنانية
نهائيا ، فما بالك بإيران ، التى هى الداعم الحصرى لظاهرة المقاومة من نوع مختلف فى
المنطقة ، خصوصا مع تصاعد احتمالات انضمام "الحوثى" اليمنى رسميا إلى الصراع
الدائر .
Kandel2002@hotmail.com

0 comments:
إرسال تعليق