فى قرية هادئة بمركز منية النصر،وهى ميت تمامه.. لم تكن المأساة بحاجة إلى مؤثرات صوتية ولا كاميرات بث مباشر. مجرد بيت بسيط، وزوج عاد مثقلا بفواتير الحياة، وزوجة لم يمض على ولادتها لطفلتها سوى أقل من خمسين يوما، وحلم صغير اسمه "المصيف".
تقول الروايات التى يتداولها أهالى القرية
إن الزوجة طلبت من زوجها أن يصطحبها إلى المصيف، فصمت الرجل. لم يكن صمته رفضا، بل
كان صمت الجيوب الخاوية، وصمت الأب الذى يحسب ثمن علبة اللبن قبل أن يحسب ثمن البحر.
ثم تطورت الكلمات إلى مشادة، وانتهى المشهد – بحسب ما يرويه الأهالى – بتهديد الزوجة
بإلقاء نفسها وطفلتها من الطابق الرابع إذا لم يستجب لطلبها.
لسنا هنا بصدد التحقيق فى تفاصيل الواقعة،
فهى شأن جهات التحقيق، لكننا أمام سؤال أكبر من الواقعة نفسها؛ كيف وصل الإنسان المصرى
إلى هذه الدرجة من الاحتقان النفسى؟ وكيف تحولت أبسط الأمنيات إلى قنبلة موقوتة داخل
كل بيت؟!
إن الضغوط الاقتصادية لا تظهر دائما فى
صورة أرقام تعلنها الحكومة، وإنما تظهر فى صورة أب عاجز عن شراء احتياجات بيته، وأم
تشعر أن الدنيا أغلقت أبوابها، وشباب فقدوا الأمل، وأسر تتفكك لأن الراتب لم يعد يكفى
أسبوعا واحدا.
علم النفس يخبرنا أن الإنسان عندما تتراكم
عليه الضغوط دون متنفس، يصبح أكثر اندفاعا، وأكثر قابلية لاتخاذ قرارات مأساوية. ومع
ضغوط ما بعد الولادة التى قد تمر بها بعض الأمهات، يصبح الاحتياج إلى الدعم النفسى
والاجتماعى أكبر، لا إلى مزيد من الأعباء واليأس.
لكن يبدو أن هناك من يعيش فى مصر أخرى..أو
بالأحرى Egypt.." مصر"
التى لا تعرف سوى المؤتمرات والاحتفالات والكلمات المنمقة. "مصر" التى يخرج
فيها المسؤول ليؤكد أن "الشعب راض عن أداء الحكومة"، وكأن ملايين الوجوه
التى أنهكتها الأسعار مجرد خطأ فى الصورة!
فيا سيدى المسئول ؛ إذا كان الشعب راضيا،
فلماذا أصبح طلب الذهاب إلى المصيف سببا لمأساة؟ ولماذا أصبحت الأحلام الصغيرة أكبر
من قدرة المواطن؟
والأكثر سخرية سخرية يا سادة؛ أن الدولة
والإعلام يستطيعان تحويل الوصول إلى دور الستة عشر فى بطولة لكرة القدم إلى موسم أفراح
وطنية، وكأن المنتخب عاد بكأس العالم نفسها. حفلات استقبال، وهدايا، وشاليهات، وسيارات،
وإشادات لا تنتهى، بينما أغلب هؤلاء اللاعبين يملكون ثروات تكفى أجيالا كاملة، وبعضهم
تتجاوز أرصدته مئات الملايين من الجنيهات.
أما المواطن الذى يدفع ثمن كل ذلك من ضرائبه
وعرقه، فلا يجد سوى نصائح بالصبر، وجرعات متواصلة من الحديث عن الإنجازات، وكأن الإنجاز
الحقيقى هو أن ينجح رب الأسرة فى تدبير ثمن وجبة اليوم.
الإعلام بدوره يمارس طقوسا عجيبة؛ يطلب
من الناس أن ينسوا أوجاعهم لساعات أمام مباراة كرة، ثم يعودون بعدها إلى فواتير الكهرباء
والمياه والدواء والإيجار. وكأن تغييب الوعى أصبح صناعة قائمة بذاتها، بينما الواقع
يصرخ كل يوم بأن الأزمة ليست فى مزاج المواطنين، وإنما فى قدرتهم على الحياة.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ إن الأوطان لا
تقاس بعدد الاحتفالات، وإنما بعدد البيوت التى تنام مطمئنة. ولا تقاس بعدد السيارات
التى تهدى للمشاهير، وإنما بعدد الأطفال الذين يجدون اللبن، وعدد الآباء الذين لا يخجلون
من عجزهم أمام طلب بسيط من أبنائهم أو زوجاتهم.
قد تكون رواية الأهالى فى ميت تمامه صحيحة
أو قد تكشف التحقيقات تفاصيل أخرى، لكن الحقيقة التى لا تحتاج إلى تحقيق هى أن الضغوط
المعيشية أصبحت تدفع كثيرين إلى حافة الانهيار، وأن المواطن لم يعد يطلب المستحيل،
بل يطلب فقط أن يعيش حياة عادية دون أن يشعر كل يوم بأنه يخوض معركة للبقاء.
وحين يصبح حلم المصيف مشروع مأساة... فالمشكلة
ليست فى البحر، وإنما فى اليابسة التى ضاقت بأهلها.

0 comments:
إرسال تعليق