ليست كل البطولات ترفع فيها الكؤوس،
ولا كل الانتصارات تصنع فوق المستطيل الأخضر. هناك انتصارات تصعد إلى السماء قبل أن
يصفق لها الناس، لأنها تكتب بحروف من نور، وتتوج بحفظ كتاب الله، وتزينها حناجر ندية
عاشت مع القرآن فأحسنته حفظا، وأبدعته تلاوة، وأخلصت له أداء.
واليوم، تفتح سلامون القماش صفحة
جديدة من صفحات مجدها، بعدما توج ابناها، الشيخ الشاب أحمد الدسوقي حماد بالمركز الأول،
والشيخ الشاب إبراهيم محمود منصور مطر بالمركز الثاني، في مسابقة السبكي لحفظ القرآن
الكريم، ليؤكدا أن هذه القرية المباركة لا تزال تنجب حملة القرآن جيلا بعد جيل، وأن
شجرة الخير التي غرست منذ عقود ما زالت تؤتي أكلها كل حين.
ولأنني كنت شاهدا على كثير من أمسيات
القرآن الكريم ومسابقات الحفظ في قريتي، فقد كان لي شرف الاستماع إلى هذين الشابين،
وإلى عشرات الموهوبين من أبناء سلامون. ولم يكن ما يلفت الانتباه هو الحفظ وحده، بل
ذلك الأداء الصوتي الأخاذ، وتلك المقامات التي تنساب في خشوع، وصفاء المخارج، وروعة
التجويد، حتى تشعر أن الآيات لا تتلى فحسب، بل تعاش بكل إحساس، وكأن الأصوات تحمل المستمع
إلى عالم من السكينة والطمأنينة.
والفضل يرجع إلى شهر رمضان المعظم حيث تتحول سلامون
القماش إلى خلية نحل قرآنية. فلا يكاد يمر يوم إلا وتجد مسابقة أو أمسية أو ختمة للقرآن
الكريم، في مشهد يبعث على الفخر والاعتزاز. ففي مسجد المكباتي، وتحت رعاية الحاج المتولي
جاد والشيخ السيد الشاعر، يرعى الأزهر الشريف واحدة من أروع مسابقات القرآن الكريم،
التي كانت ولا تزال مصنعا للمواهب وحاضنة للمتفوقين.
وأتذكر جيدا ذلك الحلم الجميل الذي
اجتمعنا عليه ذات عام، حين دعونا إلى إقامة مسابقة واحدة تضم أبناء القرية جميعا، فكان
معنا الأستاذ عادل ياسين، والحاج المتولي جاد، والحاج علي عطية، والمستشار رفعت حسين،الحاج
عثمان البيار والشيخ أكرم الشاعر، والشيخ وحيد الشاعر، والشيخ شريف زين العابدين، والشيخ
خالد، والشيخ علي، والشيخ حسام، ومعظم مشايخنا الأفاضل، لتقام المسابقة تحت عباءة الأزهر
الشريف، ونجحت نجاحا باهرا، وكان المركز الأول من نصيب ابننا أحمد الدسوقي حماد.
لكن، كما يحدث كثيرا مع الأحلام الجميلة،
لم يكتمل المشهد، وعادت كل منطقة لتنظم مسابقتها بصورة مستقلة. ومع ذلك، لم يتوقف الخير،
بل ازداد اتساعا. فهناك مسابقة مسجد سيدي عون، بإشراف الأستاذ أحمد فتحي عنان، والشيخ
شريف زين العابدين، والعلامة الشيخ محمد حشيش. وهناك مسابقة تاج الوقار بمسجد الحاج
مختار، بإشراف الحاج علي عطية، والأستاذ عادل ياسين، والأستاذ سامي منصور، والشيخ منصور
عبد الحكيم، ومجلس إدارة المسجد. هذا إلى جانب مسابقات الكتاتيب المنتشرة في أنحاء
سلامون، حتى أصبح رمضان شهرا يعيش فيه الجميع في رحاب القرآن الكريم، يتنافس فيه الصغير
قبل الكبير على حفظ كلام الله وإتقانه.
واليوم نجني ثمار هذا الجهد المبارك.
فليس من قبيل المصادفة أن يحصد ابنا سلامون المركزين الأول والثاني في مسابقة آل السبكي،
وإنما هو حصاد سنوات طويلة من التعليم، والتربية، والتحفيظ، والتشجيع، والسهر على إعداد
جيل جعل القرآن رفيقا له في كل مراحل حياته.
ولا يفوتني هنا أن أتوجه بخالص الشكر
والتقدير إلى الأب الروحي لهذين الشابين، الدكتور شريف زين العابدين، الذي وضع لهما
الأساس العلمي والقرآني، وغرس فيهما حب كتاب الله، كما أتوجه بالشكر إلى العلامة الشيخ
محمد حشيش، وإلى جميع مشايخ سلامون الذين حملوا رسالة القرآن بإخلاص، فكانوا خير قدوة
وخير معلمين.
وإذا كنا اليوم نفرح بالثمار، فإن
الوفاء يقتضي أن ننحني احتراما لمن غرسوا البذرة الأولى في كتاتيب سلامون؛ إلى الشيخ
فتحي الشايب، وشقيقه، والشيخ عوض أبو زيد، والشيخ عبد العليم، والشيخ هاشم أبو ياسين،
والشيخ زين العابدين، وغيرهم من الرواد الذين رحلوا وبقي أثرهم حيا في صدور المقرئين
وحفاظ القرآن. نسأل الله أن يتغمد من رحل منهم بواسع رحمته، وأن يبارك في أعمار من
هم بيننا، وعلى رأسهم الشيخ محمد حشيش، والشيخ أحمد المتولي، والشيخ شاكر، والشيخ صابر،
وكل شباب سلامون الذين أمتعونا بأصواتهم العذبة، وأبهرونا في ساحات المنافسة.
يا سادة ..سلامون القماش ليست مجرد
قرية على خريطة الدقهلية، بل مدرسة في صناعة الإنسان، ومنارة يخرج منها العلماء، والأطباء،
والمعلمون، والمهندسون، وحملة القرآن الكريم. هي قرية إذا ذكر القرآن، كان لها نصيب
من الشرف، وإذا ذكر التفوق، حضرت بأبنائها في المقدمة. ولعل سر هذا التميز يكمن في
أن أهلها آمنوا منذ زمن بعيد بأن بناء الإنسان يبدأ من الكتاب، وأن أعظم ميراث يمكن
أن يورثه الآباء للأبناء هو كتاب الله.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ من القلب
نبعث أسمى آيات التهنئة إلى ابنينا الكريمين، الشيخ أحمد الدسوقي حماد لفوزه بالمركز
الأول، والشيخ إبراهيم محمود منصور مطر لفوزه بالمركز الثاني في مسابقة آل السبكي لحفظ
القرآن الكريم. كما نهنئ أسرتيهما، وشيوخهما، والأزهر الشريف، وكل أهالي سلامون القماش
بهذا الإنجاز المشرف. ونسأل الله أن يجعلهما من أهل القرآن الذين هم أهل الله وخاصته،
وأن يبارك في أصواتهما، ويجعلهما دائما منارات هدى، وأن تبقى سلامون القماش واحة عامرة
بالقرآن، يصدح فيها الحق، ويزدهر فيها النور، ويظل كتاب الله هو العنوان الأجمل لمستقبل
أبنائها.



0 comments:
إرسال تعليق