حين نتأمل حياة بعض الكتّاب والمبدعين ، لا نقف
أمام سيرةٍ شخصية بقدر ما نقف أمام مشروعٍ إنساني وثقافي متكامل ، تتداخل فيه
المعرفة بالإبداع ، ويعانق فيه الفكرُ الفنَّ ، حتى يغدو صاحبُه أشبه برسالةٍ تمشي
بين الناس ؛ ومن هذا الصنف من المبدعين تبرز الدكتورة سناء الشعلان ، بوصفها واحدةً
من الشخصيات الثقافية العربية التي استطاعت أن تصنع حضورها بالاجتهاد والمعرفة
والإنتاج المتواصل ، لا بضجيج الشهرة العابر أو بريق الألقاب المؤقتة .
ليست سناء الشعلان أديبةً وقفت عند حدود جنسٍ
أدبي واحد ، ولم تحصر نفسها في مساحةٍ ضيقة من التعبير ، وإنما مضت تخوض تجارب
متعددة ، مستندةً إلى يقينٍ عميق بأن الكلمة الحقيقية قادرة على أن تتخذ صوراً
كثيرة دون أن تفقد جوهرها ؛ كتبت الرواية والقصة والدراسة النقدية ، ثم وجدت في
المسرح امتداداً طبيعياً لهذا الشغف الإبداعي ، فأنجزت نصوصاً مسرحية لاقت التقدير
وحصدت الجوائز ، كما وأسهمت في إخراج بعض أعمالها ، لتؤكد أن الأدب ليس حبراً على
الورق فحسب ، وإنما هو حياةٌ كاملة تتجسد في الصورة والصوت والحركة .
وفي تجربتها المسرحية ما يدل على
وعيٍ عميق بطبيعة الفن ووظيفته ؛ فالنص عندها لا يبقى سجين الصفحة البيضاء ، بقدر
ما يخرج إلى فضاء التلقي الإنساني الرحب ، حيث تتحول الفكرة إلى مشهد ، ويتحول
الشعور إلى فعل ، وتصبح الكلمة جزءًا من نبض الحياة اليومية ؛ ومن هنا جاءت
أعمالها المسرحية شاهدةً على قدرة الأدب على تجاوز حدوده التقليدية ، والاقتراب من
الإنسان في همومه وأحلامه وأسئلته الكبرى .
أمّا الجوائز التي نالتها في مسيرتها الطويلة ،
فقد جاءت من مؤسسات ثقافية وأدبية متنوعة في أقطار عربية مختلفة ، حتى تجاوز عددها
العشرات ؛ غير أن أهمية هذه الجوائز لا تكمن في أعدادها ، وإنما فيما تمثله من
اعترافٍ بقيمة العمل والإبداع ؛ فالجوائز الحقيقية لا تصنع المبدع ، لكنها تكشف عن
وصول صوته إلى آفاقٍ أوسع ، وعن نجاحه في أن يجد مكانه في وجدان القراء والنقاد
معاً ، ولعل ما يلفت النظر في شخصيتها أنها لم تجعل من التكريم غايةً تسعى إليها ،
بل ظلت تنظر إلى الثقافة باعتبارها مسؤوليةً ورسالةً تتجاوز حدود المنافسة
والألقاب .
وإذا كان الإبداع الأدبي قد منحها مكانتها بين
الكتّاب ، فإن حضورها الصحفي والثقافي منحها مساحةً أخرى للتأثير ؛ فقد كتبت في
صحف ومجلات عربية ودولية متعددة ، وجعلت من المقالة وسيلةً للحوار مع المجتمع ،
ومن الكلمة أداةً للمشاركة في تشكيل الوعي العام ؛ وكانت في كتاباتها تجمع بين
رصانة الباحث وحساسية الأديب ، فتقترب من القضايا الفكرية والإنسانية بروحٍ ناقدة
، دون أن تفقد دفء اللغة وصدق الشعور .
ثم اتسع حضورها ليشمل العديد من
الهيئات والاتحادات والمؤسسات الثقافية والأكاديمية والصحفية في الوطن العربي
وخارجه ، الأمر الذي جعل اسمها حاضراً في مشهدٍ ثقافي يتجاوز الحدود الجغرافية
الضيقة ، ولم يكن هذا الحضور نتيجة ظرفٍ عابر ، بل ثمرة عملٍ طويل وصبرٍ منهجي
وإيمانٍ راسخ بأن الثقافة جسرٌ للتواصل بين الشعوب ، وأن المعرفة لغةٌ إنسانية
قادرة على تجاوز الفوارق والمسافات .
لعلّ القيمة الأعمق في تجربة سناء الشعلان لا
تكمن في كثرة ما كتبت أو في عدد ما نالت من جوائز وعضويات ، وإنما في قدرتها على
الجمع بين العلم والإبداع ، وبين الانتماء الوطني والانفتاح الإنساني ؛ فهي نموذج
للمثقف الذي يدرك أن الثقافة ليست ترفاً فكرياً ، بل فعل بناءٍ وتنوير ، وأن الأدب
ليس هروباً من الواقع ، بل محاولة دائمة لفهمه والارتقاء به .
إنّ سيرتها تضعنا أمام صورةٍ مشرقة للمبدع
العربي المعاصر ؛ ذلك الذي يتسلح بالمعرفة ، ويؤمن بقيمة العمل ، ويشق طريقه بصمتٍ
وثبات ، حتى يصبح حضوره حقيقةً لا يمكن تجاهلها ؛ وفي زمنٍ تتكاثر فيه الأصوات
العابرة وتبهت فيه المعايير أحياناً ، تبدو هذه النماذج الثقافية الجادة أكثر
حاجةً إلى القراءة والاحتفاء .
فالأوطان لا تصنع مجدها بالسلاح والاقتصاد
وحدهما ، وإنما تصنعه كذلك بالعقول التي تفكر ، والأقلام التي تكتب ، والضمائر
التي تؤمن برسالتها ؛ وحين ينهض في المجتمع أدباء ومفكرون من طرازٍ جديد ، يجمعون
بين الحداثة والأصالة ، وبين الاحترافية والالتزام الوطني ، فإنهم يرسخون صورةً
أكثر إشراقاً للثقافة العربية ، ويؤكدون أن المستقبل لا يُبنى إلا بأيدي أولئك
الذين يجعلون من المعرفة نوراً ، ومن الإبداع طريقاً ، ومن الانتماء للوطن قيمةً
تتجدد مع كل إنجاز .

0 comments:
إرسال تعليق