لم تكن خسارة مباراة واحدة هى القضية، فالكرة بطبيعتها مكسب وخسارة.
لكن ما يستحق الدراسة حقا هو ما كشفته هذه البطولة من ظواهر اجتماعية وإعلامية وسياسية،
جعلت المنتخب الوطنى مرآة تعكس كثيرا مما يجرى فى المجتمع المصرى.
لقد أصبحنا أمام ثلاثة مشاهد متداخلة؛ إدارة فنية تثير الجدل، وإعلام
يصنع أوهاما، وشعب يبحث عن لحظة فرح وسط أعباء الحياة.
المشهدالأول
عندما تختلط الرسائل الرياضية بالسياسية
لا يختلف اثنان على عدالة القضية الفلسطينية، ولا يختلف مصرى على
أن دعم الشعب الفلسطينى موقف راسخ فى وجدان المصريين ودولتهم عبر عقود طويلة.لكن يبقى
السؤال؛ هل الملعب هو المكان المناسب لتقديم رسائل سياسية؟
إن الرياضة بطبيعتها مساحة للتنافس بين الشعوب، وعندما تتحول إلى
منصة للرسائل السياسية، فإنها تفتح أبوابا لا علاقة لها بالمنافسة الرياضية، وقد تترتب
عليها آثار لا يتحملها اللاعبون ولا المنتخب..ليس محل النقاش هنا عدالة القضية الفلسطينية،
وإنما ملاءمة التوقيت والمكان.
لقد سبق أن عبر مدربون ولاعبون عالميون عن مواقف سياسية، لكن ذلك
لا يعنى أن تقليد هذه المشاهد يناسب كل ظرف أو كل منتخب، فلكل دولة حساباتها، ولكل
اتحاد لوائحه، ولكل بطولة قوانينها.
ومصر ليست بحاجة إلى إثبات موقفها من فلسطين أمام العالم؛ فالتاريخ
وحده شاهد على دورها السياسى والإنسانى، وهو دور يعرفه الفلسطينيون قبل غيرهم.ولهذا
فإن المنتخب المصرى كانت مهمته الأساسية هى تمثيل مصر رياضيا وتحقيق أفضل نتيجة ممكنة،
لا تحويل المؤتمر الصحفى أو الاحتفال إلى مساحة لرسائل قد تطغى على الإنجاز الرياضى
نفسه.
المشهد الثانى
الدقائق العشر التى غيرت كل شىء
بعيدا عن أى جدل خارج المستطيل الأخضر، فإن القراءة الفنية للمباراة
تظل ضرورية.
عندما تتقدم بهدفين مقابل لا شىء، وتتبقى دقائق قليلة على التأهل،
فإن إدارة المباراة تصبح أهم من الأداء الهجومى.
فى كرة القدم الحديثة، تتغير المباريات فى دقائق معدودة، ولذلك
تلجأ المنتخبات الكبرى إلى تأمين الدفاع، وإدارة الإيقاع، واستغلال السرعات فى الهجمات
المرتدة.
لكن ما حدث فى الدقائق الأخيرة كشف ارتباكا فى الإدارة الفنية،
وهو ما كلف المنتخب كثيرا.
النقد هنا ليس لشخص، وإنما لقرار فنى قابل للنقاش، لأن المنتخبات
الكبيرة تتعلم من أخطائها، ولا تعتبر النقد خصومة.
المشهد الثالث
الإعلام الذى يصنع الوهم
ربما تكون الأزمة الأكبر ليست فى الملعب، وإنما خارجه.فالإعلام
الرياضى فى مصر أصبح فى كثير من الأحيان إعلام أندية أكثر منه إعلام منتخب.
لغة المبالغة، وصناعة النجوم قبل الإنجاز، والحديث المستمر عن الإعجاز،
كلها أمور تجعل الجماهير تعيش حالة من الوهم.
فلسنا بحاجة إلى من يقنعنا بأن مجرد المشاركة بطولة.
مصر يا سادة ؛بتاريخها وإمكاناتها لا يجب أن تدخل أى بطولة وهى
مقتنعة بأن الوصول لدور معين هو سقف الطموح.
فالدول التى كانت يوما أقل منا فى الإمكانات أصبحت تنافس على أعلى
المستويات لأنها بنت مشروعا، لا لأنها صنعت "تريندًا".
المشهد الرابع
لماذا يحتفل المصريون رغم قسوةالحياة؟
وهنا تظهر واحدة من أجمل الظواهر الاجتماعية.
المصرى الذى يخرج من عمله مرهقا، أو الفلاح الذى يواجه مشقة يومه،
أو الطالب الذى يذاكر لساعات، جميعهم يبحثون عن لحظة فرح مع المنتخب.
المنتخب بالنسبة للمصريين ليس مجرد كرة قدم.إنه مساحة مؤقتة يهربون
إليها من ضغوط المعيشة.
ولهذا تمتلئ المقاهى، وتنتشر الأعلام، وتزدهر حركة البيع والشراء.
صاحب المصنع يصنع الأعلام.
البائع المتجول يبيع أدوات التشجيع.
المقهى يستعد لاستقبال الزبائن.
حتى الأسر تجتمع أمام شاشة واحدة.
إنها دورة اقتصادية واجتماعية يصنعها حلم اسمه منتخب مصر.
المشهد الخامس
ثقافة قبول الأمر الواقع
ربما تكون هذه الظاهرة الرياضية امتدادا لظاهرة أوسع فى المجتمع.
فالمواطن كثيرا ما يتعامل مع ما يحصل عليه باعتباره منحة، لا حقا.
يقبل بالنقص خوفا من فقدان الموجود.
هذه الثقافة حين تنتقل إلى الرياضة يصبح الوصول إلى دور معين إنجازا،
رغم أن الإمكانات والطموح يسمحان بما هو أكبر.
فماذانحتاج؟
نحتاج إلى مشروع كروى حقيقى.
نحتاج إلى إعلام يحلل أكثر مما يصفق.
ونحتاج إلى فصل المنافسة الرياضية عن أى استقطاب سياسى أو جماهيرى.
فالمنتخب ليس نادىا..والمنتخب لا يمثل شركة إعلامية..ولا يمثل جمهور
فريق بعينه..إنه يمثل مصر كلها.
الخاتمة
مصر ليست دولة صغيرة حتى تقنع أبناءها بأن مجرد الاقتراب من الكبار
معجزة..فهذا الوطن الذى كتب تاريخا طويلا فى السياسة والثقافة والرياضة يستحق أن يدخل
كل بطولة وهو يبحث عن اللقب، لا عن الإشادة بالمشاركة..فقد نخسر مباراة، وقد نودع بطولة،
لكن الأخطر أن نعتاد تصغير أحلامنا.
فمصر تستحق الأفضل.. وستظل أكبر من ثقافة "الإعجاز" و"التريند"،
لأن الأمم الكبيرة لا تعيش على صناعة الوهم، بل على صناعة الإنجاز.

0 comments:
إرسال تعليق