من أخطر الأمراض التي أصابت الحياة العامة في مصر، أن البعض
أصبح يحتكر الحقيقة، ويمنح نفسه حق توزيع صكوك الوطنية، وكأن حب الوطن أصبح امتيازا
يمنح لمن يصفق، ويسحب ممن ينتقد.
هذا ما نراه اليوم في المشهد الرياضي.
تحول منتخب مصر إلى منطقة محظورة، وأصبح الاقتراب من أداء
المدير الفني حسام حسن بالنقد جريمة، رغم أن الرجل ليس نبيا في التدريب، ولا معصوما
من الخطأ. نعم، كان أسطورة كلاعب، لكن التدريب علم، وتكتيك، وإدارة، وقراءة للمباريات،
وهي أمور لا تقاس بعدد الأهداف التي سجلها في الماضي.
كل متابع منصف يدرك أن اختيارات المنتخب في أكثر من مناسبة
أثارت علامات استفهام، وأن التغييرات الفنية كثيرا ما جاءت متأخرة أو غير مفهومة، ومع
ذلك، يخرج علينا جيش المبررين ليقنع الناس أن كل شيء على ما يرام، وأن أي رأي مخالف
هو مؤامرة على المنتخب.
وهنا يظهر رضا عبد العال.قد تتفق معه، وقد تختلف، وقد يعجبك
أسلوبه أو ترفضه، لكن لا أحد يستطيع أن ينكر أنه اختار طريقا صعبا، وهو أن يقول ما
يراه دون أن ينضم إلى جوقة التصفيق.
بدلا من الرد على آرائه بالحجة، لجأ البعض إلى تشويه الرجل
نفسه، وتحليل نفسيته، والطعن في نواياه، وكأن القضية لم تعد كرة قدم، بل تصفية حسابات
مع كل من يرفض السير مع القطيع.
والمؤسف أن هذه الحملة يقودها إعلاميون لا علاقة لكثير منهم
بالتحليل الفني، بل يتعاملون مع الكرة باعتبارها مادة لإثارة الجماهير، لا مجالا للنقاش
المهني. فتحولت بعض الشاشات إلى منصات للدعاية، لا للنقد، وللتطبيل، لا للتحليل.
إن الوطنية ليست أن تهتف باسم المدرب صباحا ومساء، وليست
أن تعتبر كل انتقاد هجوما على الدولة.
الوطنية أن تبحث عن الأفضل لمنتخبك، وأن تحاسب المسؤول عندما
يخطئ، وأن ترفض تحويل الأشخاص إلى أصنام لا يجوز الاقتراب منها.
لقد اعتادت الشعوب المتقدمة أن تنتقد مدربيها ولاعبيها ورؤساء
اتحاداتها دون أن يشكك أحد في انتمائها، بينما ما زلنا نحن نخلط بين حب الوطن وحب الأشخاص.
سيظل النقد حقا، وسيظل الاختلاف علامة صحة، ولن تصبح الحقيقة
باطلة لأن أصحاب الميكروفونات قرروا محاصرتها.
أما مصر..فهي أكبر من مدرب، وأكبر من إعلامي، وأكبر من كل
من يتاجر بمشاعر البسطاء، ويحول كرة القدم إلى وسيلة لصناعة الأبطال الوهميين وتوزيع
شهادات الوطنية.
فالأوطان لا تبنى بالهتاف..وإنما تبنى بالحقيقة، مهما كانت
مرة.

0 comments:
إرسال تعليق