في صباح الثالث والعشرين من آب عام
1921، كانت بغداد تستقبل الملك فيصل الأول ليؤسس الدولة العراقية الحديثة، بينما كانت
القاهرة قد سبقت بخطوات نحو ترسيخ مؤسساتها الملكية. منذ تلك اللحظة، لم تكن العلاقة
بين العراق ومصر مجرد صلة بين بلدين عربيين، بل كانت قصة تشابكت فيها السياسة والتاريخ
والطموح القومي، لتصبح واحدة من أهم العلاقات العربية في النصف الأول من القرن العشرين.
في البدايات، اتسمت العلاقات بين
البلدين بالدفء والتقارب. فالملك فيصل الأول، الذي حمل مشروعاً عربياً وحدوياً منذ
مشاركته في الثورة العربية الكبرى، كان يرى في مصر الشقيقة الكبرى وصاحبة الثقل السياسي
والثقافي في العالم العربي. وفي المقابل، كانت القاهرة تنظر إلى العراق بوصفه الدولة
العربية الصاعدة في المشرق، وصاحبة الموقع الاستراتيجي والثروة النفطية المتنامية.
وخلال عشرينيات وثلاثينيات القرن
الماضي، توسعت جسور التعاون بين بغداد والقاهرة. فالبعثات التعليمية العراقية اتجهت
إلى الجامعات المصرية، كما احتضنت مصر العديد من الطلبة العراقيين الذين عادوا لاحقاً
ليشغلوا مناصب مهمة في الدولة العراقية. وفي المقابل، أصبحت الصحافة المصرية والأدب
المصري والمسرح والسينما حاضرة بقوة في المجتمع العراقي، مما خلق تقارباً ثقافياً سبق
التقارب السياسي.
لكن السياسة كانت أكثر تعقيداً من
الثقافة. فقد كانت بريطانيا صاحبة النفوذ الأكبر في العراق، بينما بقيت مصر بدورها
تحت تأثير النفوذ البريطاني رغم إعلان استقلالها الشكلي عام 1922. ولهذا كثيراً ما
تأثرت العلاقات بين البلدين بمواقف لندن وحساباتها في المنطقة، الأمر الذي جعل التعاون
السياسي يتحرك بحذر رغم وجود رغبة مشتركة في تعزيز العلاقات.
ومع اندلاع الحرب العالمية الثانية،
دخل البلدان مرحلة جديدة فرضتها ظروف الحرب والتحالفات الدولية. فقد أصبح العراق ومصر
جزءاً من الحسابات العسكرية البريطانية في الشرق الأوسط، وشهدت المنطقة تغيرات كبيرة
انعكست على طبيعة العلاقات الثنائية، إلا أن الروابط العربية بقيت حاضرة في الخطاب
السياسي لكلا البلدين.
بعد انتهاء الحرب، بدأت قضية فلسطين
تحتل مركز الاهتمام العربي. وعندما اندلعت حرب عام 1948، شارك الجيشان المصري والعراقي
في القتال دفاعاً عن فلسطين. ورغم اختلاف الأداء العسكري والنتائج، فإن هذه المشاركة
عززت الشعور بوحدة المصير العربي، ودفعت الحكومتين إلى توسيع التنسيق في إطار العمل
العربي المشترك، خاصة داخل جامعة الدول العربية التي تأسست عام 1945.
غير أن المشهد تبدل بصورة واضحة بعد
قيام ثورة 23 يوليو 1952 في مصر. فقد أنهت الثورة النظام الملكي، وبرز اسم جمال عبد
الناصر بوصفه قائداً لمشروع قومي عربي جديد، بينما بقي العراق متمسكاً بالنظام الملكي
بقيادة الملك فيصل الثاني، مع نفوذ سياسي واسع لرئيس الوزراء نوري السعيد. وهنا بدأت
الخلافات السياسية تطفو على السطح. (مجلة دراسات في التاريخ والآثار)
بلغ التباعد ذروته عام 1955 عندما
انضم العراق إلى حلف بغداد، وهو الحلف الذي عارضته مصر بشدة وعدّته امتداداً للنفوذ
الغربي في المنطقة. في المقابل، رفعت القاهرة شعار القومية العربية ورفض الأحلاف العسكرية،
لتتحول العلاقة بين العاصمتين إلى منافسة سياسية وإعلامية واضحة، انعكست في خطابات
الإذاعات والصحف في كلا البلدين.
ورغم ذلك، لم تنقطع الروابط الشعبية.
فقد استمرت الحركة الثقافية بين البلدين، وظلت الكتب المصرية تجد طريقها إلى بغداد،
كما بقي الأدباء العراقيون ينشرون إنتاجهم في الصحف المصرية، واستمرت العلاقات الاجتماعية
بين النخب العلمية والثقافية، مما يؤكد أن الخلاف السياسي لم يتمكن من إلغاء عمق العلاقة
الحضارية بين الشعبين.
وجاء عام 1958 ليضع نهاية مرحلة كاملة.
ففي الرابع عشر من تموز سقط النظام الملكي في العراق بقيام الثورة التي أنهت الحكم
الهاشمي، لتدخل العلاقات المصرية العراقية مرحلة جديدة مختلفة تماماً عن تلك التي امتدت
منذ تأسيس الدولة العراقية عام 1921. وبذلك أُسدل الستار على فصل طويل من العلاقات
التي بدأت بالتقارب الملكي، ثم مرت بالتعاون العربي، وانتهت بالخلاف حول طبيعة النظام
السياسي ومستقبل العالم العربي.
لقد أثبتت تجربة العلاقات المصرية
العراقية بين عامي 1921 و1958 أن التاريخ لا تصنعه الاتفاقات الرسمية وحدها، بل تبنيه
أيضاً الثقافة والهوية والمصالح المشتركة. وبين لحظات التقارب والخلاف، بقي البلدان
يمثلان جناحي المشرق العربي، يؤثر كل منهما في الآخر، ويتركان بصمة واضحة في تاريخ
المنطقة العربية الحديث.

0 comments:
إرسال تعليق