هناك جرائم تكتب فى دفاتر المحاكم، وهناك
جرائم تكتب فى سجل سقوط الضمير الإنسانى. ليست كل الجرائم سواء، فهناك جرائم تهز المجتمع،
وأخرى تهز الضمير الإنسانى نفسه. وحين تكون الضحية هى الأم، فإن الكلمات تعجز، ويصبح
الحزن أكبر من أن تصفه اللغة.
جريمة المحامية سالى الجباس، وفق ما أعلنته
وزارة الداخلية، لم تكن مجرد واقعة قتل، بل سلسلة من الأفعال التى بدأت بمشادة، وانتهت
بخنق الأم، ثم تقطيع جثمانها على مدار يومين، قبل أن تغادر المتهمة المنزل هربا من
اكتشاف جريمتها. ووفقا لبيان وزارة الداخلية، فقد اعترفت المتهمة بارتكاب الجريمة بسبب
خلافات سابقة وسوء معاملة من وجهة نظرها، وأقرت بتفاصيل الواقعة خلال مواجهتها بالتحريات.
ولكن يبقى السؤال الذى يطارد المجتمع كله:
كيف يصل إنسان إلى هذه الدرجة من القسوة؟ وكيف تتحول الأم، التى حملت وربت وضحت، إلى
ضحية فى بيتها وعلى يد ابنتها؟
وجريمة قتل الأم ليست مجرد جريمة قتل،
بل هى إعلان صادم عن انهيار أحد أقدس المعانى التى عرفتها البشرية منذ فجر التاريخ.
لم يكن المشهد الذى كشفت عنه التحقيقات
وبيان وزارة الداخلية مجرد خلاف أسرى انتهى بكارثة، بل مأساة بدأت بمشادة كلامية، ثم
اعتداء، ثم خنق للأم حتى فارقت الحياة، ثم جريمة أكثر بشاعة، إذ جرى تقطيع الجثمان
على مدار يومين فى مشهد تقشعر له الأبدان، قبل أن تترك المتهمة الشقة هربا من افتضاح
أمرها، ثم تعترف لاحقا بما نسب إليها خلال مواجهتها بالتحريات.
ومع بشاعة الجريمة، فوجئ الرأى العام بأصوات
سارعت إلى البحث عن المبررات. قيل إنها فقدت ابنتها منذ عامين، وقيل إنها كانت تعانى
ظروفا نفسية، وقيل إنها عضو بالمجلس القومى للمرأة. وكأن هذه الأسباب تمحو دما أُريق،
أو تعيد روحا أُزهقت، أو تبرر جريمة هزت المجتمع.
إن فقدان الابن مصيبة لا يستهين بها أحد،
والمرض النفسى يستوجب العلاج والرعاية، لكن بين تفسير السلوك وتبرير الجريمة فرقا شاسعا.
فلا يجوز أن تتحول المعاناة إلى صك براءة، ولا أن يصبح التعاطف مع المتهم أكبر من التعاطف
مع الضحية. فالعدالة لا تبنى على العواطف، وإنما على الحق.
ولم تكن هذه الواقعة الأولى. فما زالت
الذاكرة تحمل قضية فتاة بورسعيد التى أدينت بقتل والدتها فى قضية ارتبطت بعلاقة آثمة،
وانتهت بحكم الإعدام. كما شهد المجتمع وقائع أخرى مؤلمة، منها امرأة قتلت والدتها إثر
خلاف تافه لا يتناسب أبدا مع النهاية المأساوية. تختلف التفاصيل، لكن القاسم المشترك
واحد؛غياب الرحمة، وسقوط قيمة البر.
لقد أصبحنا أمام ظاهرة تستحق الدراسة لا
الإثارة، والمواجهة لا التبرير. فحين تتكرر جرائم قتل الأمهات، فإن الخطر لم يعد فى
يد الجانى وحده، بل فى المناخ الذى يسمح بتآكل القيم، وفى ثقافة تضعف فيها قدسية الأسرة،
ويغيب فيها الحوار، ويتراجع فيها الوازع الدينى والأخلاقى.
إن المسجد والكنيسة لا يقتصر دورهما على
أداء الشعائر، بل يحملان رسالة عظيمة فى غرس قيمة بر الوالدين، وترسيخ حرمة الدم، والدعوة
إلى الرحمة والتسامح. والإعلام ليس مجرد ناقل للأخبار، بل شريك فى تشكيل الوعى، وعليه
أن يتجنب صناعة أبطال من الجناة أو تقديم المبررات التى تربك الرأى العام، وأن يسلط
الضوء على القيم التى تحمى المجتمع.
كما أن مؤسسات المجتمع المدنى مطالبة بأن
تنتقل من عقد الندوات إلى العمل الميدانى، فتدعم الأسرة، وتنشر ثقافة الصحة النفسية،
وتوفر قنوات للمساعدة قبل أن تتحول الخلافات إلى جرائم. والمدرسة مطالبة بأن تعيد للتربية
مكانتها، فالعلم بلا أخلاق لا يبنى إنسانا، وإنما يصنع عقلا قد يفتقد الرحمة.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛إن المجتمع الذى
يفقد احترام الأم، يفقد جزءا من إنسانيته. وحين يصبح قتل الأم خبرا يتكرر، فإننا لا
نواجه أزمة أفراد، بل أزمة قيم.
ولذلك، فإن أخطر ما فى هذه الجرائم ليس
وقوعها، وإنما الاعتياد عليها، أو البحث عن أعذار تزين القبيح وتخفف من بشاعته. فالقاتل
مسؤول عن جريمته، والمجتمع مسؤول عن حماية منظومة القيم، والعدالة مسؤولة عن إنصاف
الضحية، حتى لا يصبح الدم رخيصا، ولا تصبح الأم مجرد رقم جديد فى سجل الضحايا.
رحم الله كل أم رحلت ظلما، وحفظ الله الأمهات،
وأعاد إلى القلوب شيئا من الرحمة التى أوصت بها السماء، قبل أن يوصى بها القانون.

0 comments:
إرسال تعليق