ليست كل القرى سواء، فهناك قرى تعرف
بأرضها، وأخرى تعرف بتاريخها، وثالثة تخلدها أسماء رجالها. أما سلامون القماش فقد اختارها
الله أن تعرف برجال حملوا القرآن فى صدورهم، وأنارت أصواتهم المحاريب، وارتفعت بتلاواتهم
المآذن، حتى أصبحت منارات للعلم والقرآن، تخرج فى كل جيل حافظا، ومجودا، ومقرئا، يواصل
رسالة من سبقوه.
وحين يذكر القرآن فى محافظة الدقهلية،
فإن اسم فضيلة الشيخ القارئ الراحل محمد وفا يفرض نفسه بكل هيبة واحترام، فهو أحد أعلام
التلاوة الذين تركوا أثرا لا تمحوه الأيام، ولم يكن مجرد قارئ حسن الصوت، بل كان مدرسة
متكاملة فى الأداء، والتجويد، وحسن التربية، وصناعة الرجال.
لقد كان الشيخ محمد وفا واحدا من
أعظم مقرئى الدقهلية، بل تجاوز صيته حدود الوطن، حتى انتدبته الدولة المصرية خلال ثمانينيات
القرن الماضى للسفر إلى العديد من الدول الآسيوية، لإحياء ليالى شهر رمضان المبارك،
وتلاوة القرآن الكريم، وتعليم الناس أحكامه، فكان خير سفيرٍ لمصر، وصوتا يحمل رسالة
الأزهر والقرآن إلى آفاق بعيدة، حيث اجتمع الناس حول تلاوته، وأبهرهم بجمال الأداء،
وصدق الخشوع، وروعة المقامات التى لم تكن استعراضا للصوت، وإنما وسيلة لتدبر كلام الله
وتعظيمه.
ولم تتوقف رسالة الشيخ عند المحافل
الدولية، بل كانت رسالته الكبرى داخل قريته وبين أبناء وطنه. فقد كان من الرعيل الأول
الذى أسس مدرسة حقيقية لتعليم التلاوة والقراءة والتجويد، يؤمن بأن القرآن لا يقرأ
بالأصوات الجميلة وحدها، وإنما بالعلم الصحيح، وإتقان مخارج الحروف، وفهم أحكام التجويد،
وحسن توظيف المقامات القرآنية دون تكلف أو مبالغة، حتى تبقى التلاوة خاشعة مؤثرة كما
أنزلها الله.
وكان الشيخ محمد وفا يدرك أن الطفل
إذا تربى على القرآن صغرا، شب عليه كبرا، لذلك فتح قلبه قبل بيته لتلاميذه، يغرس فيهم
حب القرآن، ويصبر على تعليمهم، ويعيد لهم الآية عشرات المرات حتى تستقيم الحروف وتطمئن
النفوس. ولم يكن يكتفى بالتصحيح، بل كان يربى الأخلاق قبل الأصوات، ويغرس التواضع قبل
الشهرة، ويجعل خدمة كتاب الله غاية لا وسيلة.
ومن بين الثمار المباركة لتلك المدرسة،
برز عدد من كبار القراء والعلماء، وفى مقدمتهم العلامة الشيخ محمد حشيش، الذى تربى
على يدى الشيخ محمد وفا، ونهل من علمه وفنه، ثم أصبح هو الآخر منارات تهدى الأجيال،
لينتقل نور القرآن من شيخ إلى تلميذ، ومن جيل إلى جيل، فى سلسلة مباركة عنوانها الإخلاص
والإتقان.
ولعل أجمل ما نراه اليوم هو أن هذه
البذور الطيبة ما زالت تؤتى ثمارها. فما تحقق من إنجاز لأبناء سلامون القماش فى مسابقة
آل السبكى لحفظ القرآن الكريم لم يأت من فراغ، وإنما هو امتداد لذلك الغرس المبارك.
فقد فاز الشيخ الشاب أحمد الدسوقى حماد بالمركز الأول، كما حصل الشيخ الشاب إبراهيم
منصور مطر على المركز الثانى، فى مشهد أدخل الفرحة إلى قلوب أبناء القرية جميعا، وأكد
أن مدرسة القرآن ما زالت تنبض بالحياة، وأن من يزرع القرآن يحصد المجد.
إن تربية النشء على حفظ القرآن الكريم
وإتقان تلاوته ليست رفاهية تربوية، وإنما هى بناء حقيقى للإنسان. فالقرآن يصنع الضمير،
ويهذب السلوك، ويزرع الرحمة، ويغرس الانتماء، ويمنح أبناءنا حصانة أمام كل فكر منحرف
أو سلوك دخيل. وما أحوج مجتمعاتنا اليوم إلى أن تعود الكتاتيب وحلقات التحفيظ ومدارس
التجويد كما أرادها روادها الأوائل، وفى مقدمتهم الشيخ الراحل محمد وفا، الذى آمن بأن
أعظم استثمار هو بناء الإنسان بالقرآن.
لقد كان الشيخ محمد وفا متواضعا فى
حياته، عظيما فى أثره. لا يبحث عن الأضواء، لأن نور القرآن كان يغنيه عنها. كان مجلسه
عامرا بالعلم، ووجهه يفيض بالسكينة، وصوته يحمل القلوب إلى آفاق الخشوع. وكل من عرفه
شهد له بحسن الخلق، وسعة الصدر، وكرم المعلم الذى يمنح علمه للجميع دون انتظار مقابل،
حتى أصبح اسمه محفورا فى ذاكرة كل من أحب القرآن.
ورغم رحيل الرجال، تبقى سيرتهم حية
فى تلاميذهم، وفى كل حرف يتلى على ألسنة من تعلموا على أيديهم. فالشيخ محمد وفا لم
يرحل، بل ما زال حاضرا فى كل محراب، وفى كل قارئ أتقن التلاوة، وفى كل طفل بدأ يحفظ
كتاب الله على النهج الذى رسمه.
أما سلامون القماش، فهى ليست مجرد
قرية على خريطة الدقهلية، بل صفحة مضيئة فى سجل الوطن. أنجبت العلماء، والأطباء، والمهندسين،
والإعلاميين، ورجال الفكر، والرياضيين، وحفظة القرآن، وكانت دائما نموذجا للقرية المصرية
التى تصنع النجاح بصمت، وتؤمن بأن العلم هو طريق النهضة، وأن الأخلاق هى عنوان الحضارة.
ولذلك لم يكن غريبا أن تتصدر سلامون
القماش المشهد فى كل مجال، وأن يخرج منها المبدعون حيثما اتجهت الأبصار. إنها قرية
تعرف قيمة الإنسان، وتمنح أبناءها الثقة والطموح، وتظل وفية لكل من رفع اسمها عاليا،
سواء فى محراب القرآن، أو فى ميادين العلم، أو ساحات العمل الوطنى.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛
#سلام على الشيخ القارئ محمد وفا،
وهو يواصل رسالته فى صدور تلاميذه، #وسلام على كل من حمل القرآن علما وخلقا،
#وسلام على سلامون القماش التى ما
زالت تثبت أن الأمم تبنى بالعلم، وأن القرى العظيمة تقاس بما تنجب من رجال، لا بما
تملك من حجارة.
#رحم الله الشيخ محمد وفا، وجزى الله
خيرا كل من سار على دربه، وحفظ الله أبناء سلامون القماش، وجعل القرآن الكريم دائما
عنوان عزتهم، وسر تميزهم، ومنارة مستقبلهم.

0 comments:
إرسال تعليق