لم يكن المشهد اليوم أمام لجان الثانوية العامة عاديا. لم
تكن دموع الطلاب مجرد انفعال عابر بعد امتحان صعب، بل كانت رسالة موجعة تقول إن هناك
شيئا يحتاج إلى مراجعة حقيقية.
لن أتحدث هذه المرة عن الدروس الخصوصية، ولا عن السناتر التي
تحولت عند البعض إلى تجارة تدر الملايين، فهذه قضية يعرفها الجميع. لكنني سأتحدث عن
امتحان الكيمياء الذي خرج منه طلاب الشعبة العلمية وهم يحملون على وجوههم ملامح الإحباط،
وكأنهم كانوا يخوضون معركة لا امتحانا يفترض أن يقيس ما تعلموه طوال العام.
إنها آخر دفعة في نظام الثانوية العامة قبل الانتقال – وفق
ما أعلنته الحكومة – إلى نظام البكالوريا المصرية. ومنذ العام الماضي، وبعد إعلان رئيس
الوزراء ووزير التربية والتعليم المشروع الجديد، والجدل لم يتوقف. اعتراضات تحت قبة
البرلمان، ورفض شعبي في قطاعات واسعة، ثم تصريحات رسمية تؤكد أن النظام "اختياري"،
بينما كانت الوقائع على الأرض ترسم صورة مختلفة، من خلال ضغوط مارسها بعض المسؤولين
في المديريات والإدارات التعليمية على طلاب الصف الأول الثانوي لاختيار النظام الجديد،
حتى بدا الأمر وكأن الاختيار إجباري في ثوب اختياري.
وحتى هذه اللحظة، لا يزال المشهد مرتبكا. هل نحن أمام الثانوية
العامة أم أمام البكالوريا؟ إذا كانت هناك قناعة كاملة بالنظام الجديد، فلماذا هذا
التردد؟ ولماذا بقيت الأيدي مرتعشة في حسم القرار؟
ثم جاءت امتحانات هذا العام، وخاصة لطلاب الشعبة العلمية،
لتزيد المخاوف. واليوم خرج الطلاب والطالبات من امتحان الكيمياء باكين، بينما خرج طلاب
الشعبة الأدبية من امتحان الجغرافيا أكثر ارتياحا. أي رسالة نرسلها لأبنائنا عندما
يصبح البكاء هو المشهد المعتاد بعد الامتحان؟
أيعقل أن يشتري الطالب كتاب المدرسة، وكتابا خارجيا، ومذكرات،
ويدفع آلاف الجنيهات في السناتر، ثم يدخل اللجنة ليخرج منها فاقدا الثقة في نفسه، لا
لأنه أهمل، ولكن لأنه شعر أن الامتحان تجاوز حدود القياس العادل؟
لقد أكد معظم الطلاب أن أسئلة الكيمياء جاءت شديدة الصعوبة،
وتحتاج إلى وقت أطول، ولم تراعِ الفروق الفردية بين مستويات الطلاب، وهو ما انعكس مباشرة
على أولياء الأمور الذين وقفوا أمام اللجان ينتظرون أبناءهم بقلوب مرتجفة.
ولا يمكن تجاهل جانب آخر من الأزمة.. (الملاحظ )الذي يأتي
من محافظة أخرى، يتحمل نفقات انتقال وإقامة قد تتجاوز قيمة ما سيحصل عليه من مكافأة.
ما زالت أسس احتساب المكافآت تستند إلى أوضاع مالية قديمة، بينما ارتفعت الأسعار بصورة
غير مسبوقة. وفي النهاية، يجد نفسه يعمل أياما طويلة، ثم يحصل على مقابل لا يوازي ما
أنفقه، فتتولد حالة من الضيق والاحتقان قد تنعكس – عند البعض – على طريقة التعامل داخل
اللجان، والضحية في النهاية هو الطالب..!!
إن الأزمة ليست في امتحان الكيمياء وحده، بل في منظومة كاملة
تحتاج إلى مراجعة شجاعة. الامتحان يجب أن يفرز المستويات، نعم.. لكنه لا ينبغي أن يتحول
إلى وسيلة لإحباط الطلاب أو كسرهم نفسيا. والعدالة لا تعني التعقيد، كما أن الجودة
لا تعني صناعة امتحانات يعجز عن حلها أغلب المتفوقين.
#التعليم_يا_سادة ؛ ليس حقل تجارب، ولا يجوز أن يدفع الطلاب
ثمن التخبط في القرارات أو الصراع بين الأنظمة. وإذا استمرت الأمور بهذا الشكل، فلن
نخسر امتحانا أو عاما دراسيا فقط، بل سنخسر ثقة جيل كامل في منظومة كان يفترض أن تصنع
مستقبله لا أن تهدمه.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛ رفقا بأبنائنا..ورفقا بأولياء الأمور
الذين أصبحوا يحملون فوق أكتافهم ما لا تطيقه الجبال.
فالتعليم يحتضر.. وإن لم نسارع إلى إنقاذه، فلن يبقى أمامنا
سوى أن نرفع الراية البيضاء، ونعلن أن الحلم قد تحول إلى عبء، وأن المدرسة فقدت رسالتها،
وأن الوطن يدفع الثمن من مستقبل أبنائه.
اللهم هون على كل طالب وطالبة، وألهم أصحاب القرار أن تكون
مصلحة أبنائنا فوق كل اعتبار.

0 comments:
إرسال تعليق