تمر الذكرى السادسة والسبعون على رحيل القارئ الأعظم فى تاريخ
الأمة الإسلامية، الشيخ محمد رفعت، ذلك الصوت الذى لم يكن مجرد تلاوة عابرة لآيات الذكر
الحكيم، بل كان حالة روحانية كاملة، تهبط على القلوب فتغسل عنها تعب الدنيا، وتعيد
إليها الطمأنينة وكأنها تخرج توا من محراب نورانى فى ليلة من ليالى رمضان القديمة.
لم يكن الشيخ رفعت قارئا فحسب، بل كان وطنا من السكينة، وقطعة
خالدة من ذاكرة المصريين والعرب والمسلمين جميعا. فمنذ عشرات السنين، ارتبط اسمه ارتباطا
أبديا بشهر رمضان المعظم، حتى صار صوته جزءا من طقوس الشهر الكريم، لا يكتمل المغرب
إلا به، ولا يهدأ القلب إلا عندما ينساب قرآنه العذب عبر الأثير، فيعلن للروح قبل الأذن
أن موعد الرحمة قد حان.
كان ملايين المصريين يجلسون قبل آذان المغرب بدقائق، تتجه
الأبصار نحو موائد الإفطار، لكن القلوب كانت تتجه أولا نحو صوت الشيخ محمد رفعت، وهو
يرتل القرآن الكريم بخشوع ملائكى مهيب، فيتحول البيت المصرى البسيط إلى مسجد صغير،
وتصبح لحظات الانتظار بين التلاوة والآذان واحدة من أجمل لحظات العمر وأكثرها صفاء.
وحين ينطلق آذان المغرب بصوته الخالد، تشعر وكأن القاهرة
كلها تتوقف احتراما لذلك النداء السماوى. كان آذانه يحمل رهبة لا تشبه أحدا، ودفئا
لا ينسى، حتى إن أجيالا كاملة ارتبط لديها معنى رمضان بصوت الشيخ رفعت، فإذا ذكر الشهر
الكريم حضر صوته فورا فى الوجدان، وكأن بينهما عهدا قديما لا ينقطع.
لقد منح الله الشيخ رفعت نعمة نادرة، فلم يكن يقرأ القرآن
بالحروف فقط، بل كان يقرأه بالقلب والروح والدموع. لذلك لم يكن غريبا أن يلقبه الناس
بـ"قيثارة السماء"، وأن يبقى رغم مرور العقود سيد مدرسة التلاوة التى لم
تتكرر، والصوت الذى عجز الزمن عن أن يأتى بمثله.
ورغم رحيله فى مثل هذه الأيام قبل ستة وسبعين عاما، إلا أن
الشيخ محمد رفعت لم يغب أبدا. فما زالت إذاعات القرآن الكريم تفتح له أبواب الخلود
كل رمضان، وما زالت البيوت المصرية تحفظ صوته كما تحفظ الدعاء، وما زالت روحه تحلق
فوق موائد الإفطار مع كل مغرب، تذكر الناس بزمن كانت فيه الأصوات طاهرة، والقلوب أكثر
نقاء، والروح أقرب إلى الله.
رحم الله الشيخ محمد رفعت.. ذلك الرجل الذى لم يكن مجرد قارئ
قرآن، بل كان صوت أمة كاملة حين كانت الروح المصرية تتحدث بلغة السماء.

0 comments:
إرسال تعليق