اغتيال
"على لاريجانى" أمين مجلس الأمن
القومى واغتيال " غلام رضا سليمانى" قائد قوات "الباسيج" مع
عدد من معاونيه ضربة مضافة للنظام ، تكشف مجددا نقطة الضعف المميتة فى التكوين
الإيرانى ، ومدى عمق واتساع وشمول الاختراق الاستخباراتى فى طهران ، الذى عملت
عليه أجهزة استخبارات إقليمية وغربية أولها جهاز "الموساد"
"الإسرائيلى" طوال عشرات السنين ، وراح ضحية الاختراق المزمن مئات
القادة العسكريين والعلماء النوويين ، وأدى فى مطلع الحرب الجارية إلى مقتل القائد
الأعلى "على خامنئى" نفسه ، ثم هو يؤدى فى اليوم الثامن عشر للحرب إلى
مقتل "لاريجانى" كواحد من أبرز رموز النظام ، وقد لا يستبعد أن يقود إلى
اغتيال المرشد الجديد "مجتبى خامنئى" ، لكن نقطة الضعف الاستخباراتى لا
تشكل وحدها صورة المشهد الإيرانى اليوم ، رغم تساندها مع نقاط ضعف أخرى ظاهرة ،
أهمها التواضع الظاهر للدفاعات والقوات الجوية والبحرية ، واعتماد إيران أساسا على
الأسلحة التى تصنعها بنفسها ، وأهمها صناعة المسيرات المتطورة والصواريخ بأنواعها
والصواريخ الباليستية المتقدمة ، خصوصا الأنواع "الفرط صوتية"
والانشطارية العنقودية ، وقد استخدمتها بذكاء وبراعة رغم انكشاف السماء الإيرانية
، والسيطرة الجوية الأمريكية "الإسرائيلية" التامة عليها ، فيما تملك
إيران بالمقابل مزايا أخرى ، من نوع اتساع مساحتها الجغرافية وتنوع تضاريسها ،
وإبداعها لحيل التخفى بمخزوناتها الصاروخية ومصانعها ومنصات الإطلاق ، إضافة
لتسهيلات من الأصدقاء الروس والصينيين ، بعضها على ما يبدو فى التزويد بمعلومات
استخباراتية حساسة ، وكلها موارد جعلت إيران على تزاحم نقاط الضعف ، تبدى صمودا
مذهلا فى حرب دمرت إلى اليوم 15 ألف موقع فى بنيتها التحتية المدنية والعسكرية .
وقد لا تبدو من نهاية وشيكة للعدوان
الأمريكى "الإسرائيلى" الأكثر ضراوة فى حروب المنطقة كلها ، لكن نهاية
النظام الإيرانى لا تبدو واردة فى الأفق ، ليس فقط لقدرة النظام الإيرانى المتفوقة
على رد الضربات ، ولا على إحلال القيادات فورا ، فوراء كل قيادة تغتال أربعة بدلاء
يحلون سريعا مكانها ، وهو ما يثير تعجب وجنون الرئيس الأمريكى "دونالد
ترامب" ، الذى قال مرات ، أن مشكلته الكبرى فى سعيه لإنهاء الحرب ، أنه لا
يعرف مع من يفاوض فى النظام الإيرانى "مقطوع الرأس" ، فيما يبدو شريكه
وقائده "بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو فى أحوال غبطة وانتشاء بنجاح
الاغتيالات ، ويقول متبجحا أن "إسرائيل" فى سبيلها للتحول إلى "قوة
عالمية عظمى بجانب أمريكا" ، ويكرر الدعوة المستجدية للشعب الإيرانى للقيام
بثورة تسقط نظاما قطعوا له رأسه ، وهذه نقطة الضعف الكبرى للعدوان الأمريكى "الإسرائيلى"
، فالإيرانيون شعب معتز بذاته ، ولا يعيرون التفاتا فى غالبهم لنداءات الأعداء فى
زمن الحرب ، إضافة لتماسك بنية النظام الإيرانى ، واستناده إلى قوة شعبية لا تزال
حية مؤثرة ، وهى ظاهرة جعلت الكثير من المراقبين يتوقعون ماهو أسوأ لحرب
"ترامب" التى سحبه إليها "نتنياهو" ، فقد توقع "ديفيد
ساكس" مسئول الذكاء الاصطناعى والعملات المشفرة بالبيت الأبيض ، أن تلجأ
"إسرائيل" يأسا إلى استخدام السلاح النووى ضد إيران ، وهو ما نفاه
"ترامب" علنا ، وإن كان لا أحد يثق فى تصريحات "ترامب"
كالعادة .
وقبل الوصول إلى خيار الدمار النووى ، لا يبقى
أمام العدوان الأمريكى "الإسرائيلى" سوى خيار الحرب البرية ، فما من
مزيد يمكن أن تفعله حملات القصف الجوى ، ونظام كالنظام الإيرانى لا يسقط بنيران
السماء ، مهما بلغت ضراوة الغارات بالقاذفات النووية الأمريكية ، ولا بمفاجآت
الاغتيال المبرمجة ، التى لا تبلغ أهدافها فى تحريك غضب شعبى موات لأمريكا
و"إسرائيل" ، ولا فى تفريغ دولاب الدولة الإيرانية ، بسبب التعقيد
الفريد لتركيب النظام ، وتصميم كتلته الأصلب على خوض الحرب لآخر رجل وآخر طلقة
رصاص ، وبسبب البنية الأيدلوجية الاستشهادية لقوات "الحرس الثورى"
والجيش والمتطوعين وغيرهم من عوائق الصد الأساسى ، التى تجعل مغامرة النزول البرى
الأمريكى "الإسرائيلى" ذات تكلفة دموية عالية ، قد لا يستطيع
"ترامب" تحمل مضاعفاتها فى الداخل الأمريكى القلق المتسائل عن جدوى
الحرب ، وعن السبب فى الذهاب إليها ، مع انكشاف دور التحريض "الإسرائيلى"
وغياب المصالح الأمريكية الظاهرة ، ومع ارتفاع أسعار البنزين والأسمدة ، وتزايد
التشققات فى جدار حزب "ترامب" الجمهورى ، وفى حركة "ماجا"
الداعم الأبرز لظاهرة "ترامب" ، وتجاوز نسبة المعارضة للحرب فى الرأى
العام الأمريكى لحاجز الثلثين ، وتهديد فرص أنصار "ترامب" فى الفوز
بمقاعد مرضية فى انتخابات تجديد الكونجرس المقررة فى نوفمبر المقبل ، وتقويض إدعاء
"ترامب" بجعل "أمريكا أولا" ، واستبداله إلى جعل
"إسرائيل أولا" ، خصوصا مع تداعى آمال "ترامب" فى إعلان نصر
حاسم ، والحصول على استسلام شامل من جانب النظام الإيرانى ، يبدو أقرب إلى باب
الاستحالة .
ورغم ارتكاب القيادة الإيرانية لأخطاء فى
التقدير السياسى ، وشن هجمات واعتداءات مدانة مرفوضة على أراضى ومنشآت مدنية فى
دول عربية مجاورة ، وبصورة تعدت التركيز على ضرب القواعد الأمريكية ، وعددها يزيد
على الستين فى أقطار المشرق والخليج العربيين ، إلا أن الخطة الإيرانية عموما
اتبعت مبدأ توسيع المواجهة إلى أقصى حد وإطالة زمنها ، ورفع تكلفة الحرب على
الإدارة الأمريكية بالذات ، ونجحت عمليا فى فرض السيادة الإيرانية الكاملة على
"مضيق هرمز" ، وهو شريان إمداد العالم بأكثر من خمس المعروض العالمى من
البترول والغاز الطبيعى والبتروكيماويات ، وأدى التقييد الإيرانى إلى رفع أسعار
البترول ، وإحراج إدارة "ترامب" ، التى حاولت الزج بدول أوروبية وآسيوية
فى الحرب ، ودون تحقيق نجاح فى تكوين ما أسمى "تحالف هرمز" ، الذى
امتنعت دول حلف "الناتو" الأبرز عن المشاركة فيه ، ودعا بعضها ـ كفرنسا
ـ إلى وقف الحرب أولا ، فيما لجأت "الهند" إلى تفاوض وتفاهم مع السلطات
الإيرانية ، بينما استثمرت "الصين" الفرصة ، ورفضت تلبية رغبة
"ترامب" ، الذى اندفع غاضبا للتنديد بشركائه فى حلف "الناتو"
وخذلانهم لحرب أمريكا ضد إيران ، فى الوقت الذى يهدد فيه "ترامب"
بالاستيلاء على "هرمز" وجزيرة "خارك" عاصمة تصدير البترول
الإيرانى ، وإن فعلها ، فقد تندلع شرارة المواجهات البرية من "خارك" ،
أو من نحو ثلاثين جزيرة تحوزها إيران فى الخليج العربى ، أو قد يلجأ
"ترامب" عسكريا إلى الاستعانة بفرق "المارينز" ، أو بالقوات
الأمريكية الخاصة المحتشدة فى دول شمال إيران ، وينضم مع "الإسرائيليين"
فى عمليات "كوماندوز" تستعين بالعملاء فى الداخل الإيرانى ، وبدعوى
البحث عن مئات كيلوجرامات اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ،
أو بجلب قوات انفصالية كردية أو بلوشية "إيرانية" إلى عمليات غزو برى ،
تبدو "إسرائيل" أكثر حماسا لها ، وقد تجر إليها القوات الأمريكية ،
وكلها خيارات يفترض أنها موضع انتظار واستعداد من الجانب الإيرانى .
وعلى خط المواجهة المباشرة مع كيان الاحتلال
"الإسرائيلى" ، زادت قوة الضربات الصاروخية الإيرانية بالتنسيق مع ضربات
"حزب الله" من لبنان ، وفى سياق حرب استنزاف ، يستعيد فيها "حزب
الله" تألقه المقاوم الأول ، رغم كثافة الضربات والغارات الإسرائيلية ،
واقتراب عدد الشهداء اللبنانيين إلى الألف ، وزيادة عدد النازحين من الجنوب إلى ما
فوق المليون ، وكلها تضحيات تتحمل بيئة المقاومة أغلبها دونما تذمر ، بينما تبدى
جبهة المقاومة الممتدة من طهران إلى لبنان صمودا متصلا ، ويبدع "حزب
الله" بالذات فى صياغة طرق مقاومة مختلفة دفاعا عن أرض لبنان ودعما لإيران فى
الوقت ذاته ، ويعود إلى تكتيكات حرب العصابات فى جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة
، ويقاتل رجاله على الأرض حشودا "إسرائيلية" تتجاوز المئة ألف جندى ،
ويواصلون ملاحم تدمير دبابات "الميركافا" وقنص قوات العدو الزاحفة لغزو
لبنان ، فيما تطور وحداته الصاروخية فى نوعية قذائفها الإيرانية المنشأ
والتكنولوجيا ، وتمطر كيان الاحتلال بموجات "العصف المأكول" الصاروخية ،
ومن بعدها موجات "خيبر" الأعنف .
والخلاصة أن نتائج الحرب لاتزال فى ميادينها ،
رغم حرص العدو الأمريكى "الإسرائيلى" على التكتم فى إعلان خسائره ، فيما
يبدى الجانب المقاوم صلابة تحمل فائقة ، هى من طبع الإيمان بالقضية وعدالتها ، ومن
مخزون الطاقة الاستشهادية التى لا تنفد ، ورغم توقع أى ضربات معادية مضافة ، ومهما
كانت ضراوتها ، إلا أن هذا النوع من الحروب وبينها الحرب الجارية ، التى ذهبت
إليها أمريكا بكل جيوشها بما فيها الجيش "الإسرائيلى" ، ولا تنطوى على
أدنى درجات التكافؤ فى موازين السلاح ، هى ذروة الحروب غير المتناظرة فى نوع ولا
فى قدرات أطرافها ، وقد دارت مثل هذه الحروب فى منطقتنا على مدى الثلاثين شهرا
الأخيرة ، وكانت نتائجها كما تكررت ، أن الطرف الذى يبدو أقوى لا ينتصر ولا يحقق
أهدافه ، بينما الطرف الآخر المقاوم لا ينهزم ولا يخرج من الحلبة ، وهكذا كان
ويكون بإذن الله .

0 comments:
إرسال تعليق