• اخر الاخبار

    السبت، 21 مارس 2026

    الدكتور عبد الحليم قنديل يكتب عن : لن تنتصر أمريكا و"إسرائيل"

     

     


    اغتيال "على لاريجانى"  أمين مجلس الأمن القومى واغتيال " غلام رضا سليمانى" قائد قوات "الباسيج" مع عدد من معاونيه ضربة مضافة للنظام ، تكشف مجددا نقطة الضعف المميتة فى التكوين الإيرانى ، ومدى عمق واتساع وشمول الاختراق الاستخباراتى فى طهران ، الذى عملت عليه أجهزة استخبارات إقليمية وغربية أولها جهاز "الموساد" "الإسرائيلى" طوال عشرات السنين ، وراح ضحية الاختراق المزمن مئات القادة العسكريين والعلماء النوويين ، وأدى فى مطلع الحرب الجارية إلى مقتل القائد الأعلى "على خامنئى" نفسه ، ثم هو يؤدى فى اليوم الثامن عشر للحرب إلى مقتل "لاريجانى" كواحد من أبرز رموز النظام ، وقد لا يستبعد أن يقود إلى اغتيال المرشد الجديد "مجتبى خامنئى" ، لكن نقطة الضعف الاستخباراتى لا تشكل وحدها صورة المشهد الإيرانى اليوم ، رغم تساندها مع نقاط ضعف أخرى ظاهرة ، أهمها التواضع الظاهر للدفاعات والقوات الجوية والبحرية ، واعتماد إيران أساسا على الأسلحة التى تصنعها بنفسها ، وأهمها صناعة المسيرات المتطورة والصواريخ بأنواعها والصواريخ الباليستية المتقدمة ، خصوصا الأنواع "الفرط صوتية" والانشطارية العنقودية ، وقد استخدمتها بذكاء وبراعة رغم انكشاف السماء الإيرانية ، والسيطرة الجوية الأمريكية "الإسرائيلية" التامة عليها ، فيما تملك إيران بالمقابل مزايا أخرى ، من نوع اتساع مساحتها الجغرافية وتنوع تضاريسها ، وإبداعها لحيل التخفى بمخزوناتها الصاروخية ومصانعها ومنصات الإطلاق ، إضافة لتسهيلات من الأصدقاء الروس والصينيين ، بعضها على ما يبدو فى التزويد بمعلومات استخباراتية حساسة ، وكلها موارد جعلت إيران على تزاحم نقاط الضعف ، تبدى صمودا مذهلا فى حرب دمرت إلى اليوم 15 ألف موقع فى بنيتها التحتية المدنية والعسكرية .

         وقد لا تبدو من نهاية وشيكة للعدوان الأمريكى "الإسرائيلى" الأكثر ضراوة فى حروب المنطقة كلها ، لكن نهاية النظام الإيرانى لا تبدو واردة فى الأفق ، ليس فقط لقدرة النظام الإيرانى المتفوقة على رد الضربات ، ولا على إحلال القيادات فورا ، فوراء كل قيادة تغتال أربعة بدلاء يحلون سريعا مكانها ، وهو ما يثير تعجب وجنون الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" ، الذى قال مرات ، أن مشكلته الكبرى فى سعيه لإنهاء الحرب ، أنه لا يعرف مع من يفاوض فى النظام الإيرانى "مقطوع الرأس" ، فيما يبدو شريكه وقائده "بنيامين نتنياهو" رئيس وزراء العدو فى أحوال غبطة وانتشاء بنجاح الاغتيالات ، ويقول متبجحا أن "إسرائيل" فى سبيلها للتحول إلى "قوة عالمية عظمى بجانب أمريكا" ، ويكرر الدعوة المستجدية للشعب الإيرانى للقيام بثورة تسقط نظاما قطعوا له رأسه ، وهذه نقطة الضعف الكبرى للعدوان الأمريكى "الإسرائيلى" ، فالإيرانيون شعب معتز بذاته ، ولا يعيرون التفاتا فى غالبهم لنداءات الأعداء فى زمن الحرب ، إضافة لتماسك بنية النظام الإيرانى ، واستناده إلى قوة شعبية لا تزال حية مؤثرة ، وهى ظاهرة جعلت الكثير من المراقبين يتوقعون ماهو أسوأ لحرب "ترامب" التى سحبه إليها "نتنياهو" ، فقد توقع "ديفيد ساكس" مسئول الذكاء الاصطناعى والعملات المشفرة بالبيت الأبيض ، أن تلجأ "إسرائيل" يأسا إلى استخدام السلاح النووى ضد إيران ، وهو ما نفاه "ترامب" علنا ، وإن كان لا أحد يثق فى تصريحات "ترامب" كالعادة .

       وقبل الوصول إلى خيار الدمار النووى ، لا يبقى أمام العدوان الأمريكى "الإسرائيلى" سوى خيار الحرب البرية ، فما من مزيد يمكن أن تفعله حملات القصف الجوى ، ونظام كالنظام الإيرانى لا يسقط بنيران السماء ، مهما بلغت ضراوة الغارات بالقاذفات النووية الأمريكية ، ولا بمفاجآت الاغتيال المبرمجة ، التى لا تبلغ أهدافها فى تحريك غضب شعبى موات لأمريكا و"إسرائيل" ، ولا فى تفريغ دولاب الدولة الإيرانية ، بسبب التعقيد الفريد لتركيب النظام ، وتصميم كتلته الأصلب على خوض الحرب لآخر رجل وآخر طلقة رصاص ، وبسبب البنية الأيدلوجية الاستشهادية لقوات "الحرس الثورى" والجيش والمتطوعين وغيرهم من عوائق الصد الأساسى ، التى تجعل مغامرة النزول البرى الأمريكى "الإسرائيلى" ذات تكلفة دموية عالية ، قد لا يستطيع "ترامب" تحمل مضاعفاتها فى الداخل الأمريكى القلق المتسائل عن جدوى الحرب ، وعن السبب فى الذهاب إليها ، مع انكشاف دور التحريض "الإسرائيلى" وغياب المصالح الأمريكية الظاهرة ، ومع ارتفاع أسعار البنزين والأسمدة ، وتزايد التشققات فى جدار حزب "ترامب" الجمهورى ، وفى حركة "ماجا" الداعم الأبرز لظاهرة "ترامب" ، وتجاوز نسبة المعارضة للحرب فى الرأى العام الأمريكى لحاجز الثلثين ، وتهديد فرص أنصار "ترامب" فى الفوز بمقاعد مرضية فى انتخابات تجديد الكونجرس المقررة فى نوفمبر المقبل ، وتقويض إدعاء "ترامب" بجعل "أمريكا أولا" ، واستبداله إلى جعل "إسرائيل أولا" ، خصوصا مع تداعى آمال "ترامب" فى إعلان نصر حاسم ، والحصول على استسلام شامل من جانب النظام الإيرانى ، يبدو أقرب إلى باب الاستحالة .

       ورغم ارتكاب القيادة الإيرانية لأخطاء فى التقدير السياسى ، وشن هجمات واعتداءات مدانة مرفوضة على أراضى ومنشآت مدنية فى دول عربية مجاورة ، وبصورة تعدت التركيز على ضرب القواعد الأمريكية ، وعددها يزيد على الستين فى أقطار المشرق والخليج العربيين ، إلا أن الخطة الإيرانية عموما اتبعت مبدأ توسيع المواجهة إلى أقصى حد وإطالة زمنها ، ورفع تكلفة الحرب على الإدارة الأمريكية بالذات ، ونجحت عمليا فى فرض السيادة الإيرانية الكاملة على "مضيق هرمز" ، وهو شريان إمداد العالم بأكثر من خمس المعروض العالمى من البترول والغاز الطبيعى والبتروكيماويات ، وأدى التقييد الإيرانى إلى رفع أسعار البترول ، وإحراج إدارة "ترامب" ، التى حاولت الزج بدول أوروبية وآسيوية فى الحرب ، ودون تحقيق نجاح فى تكوين ما أسمى "تحالف هرمز" ، الذى امتنعت دول حلف "الناتو" الأبرز عن المشاركة فيه ، ودعا بعضها ـ كفرنسا ـ إلى وقف الحرب أولا ، فيما لجأت "الهند" إلى تفاوض وتفاهم مع السلطات الإيرانية ، بينما استثمرت "الصين" الفرصة ، ورفضت تلبية رغبة "ترامب" ، الذى اندفع غاضبا للتنديد بشركائه فى حلف "الناتو" وخذلانهم لحرب أمريكا ضد إيران ، فى الوقت الذى يهدد فيه "ترامب" بالاستيلاء على "هرمز" وجزيرة "خارك" عاصمة تصدير البترول الإيرانى ، وإن فعلها ، فقد تندلع شرارة المواجهات البرية من "خارك" ، أو من نحو ثلاثين جزيرة تحوزها إيران فى الخليج العربى ، أو قد يلجأ "ترامب" عسكريا إلى الاستعانة بفرق "المارينز" ، أو بالقوات الأمريكية الخاصة المحتشدة فى دول شمال إيران ، وينضم مع "الإسرائيليين" فى عمليات "كوماندوز" تستعين بالعملاء فى الداخل الإيرانى ، وبدعوى البحث عن مئات كيلوجرامات اليورانيوم الإيرانى المخصب بنسبة تفوق الستين بالمئة ، أو بجلب قوات انفصالية كردية أو بلوشية "إيرانية" إلى عمليات غزو برى ، تبدو "إسرائيل" أكثر حماسا لها ، وقد تجر إليها القوات الأمريكية ، وكلها خيارات يفترض أنها موضع انتظار واستعداد من الجانب الإيرانى .

       وعلى خط المواجهة المباشرة مع كيان الاحتلال "الإسرائيلى" ، زادت قوة الضربات الصاروخية الإيرانية بالتنسيق مع ضربات "حزب الله" من لبنان ، وفى سياق حرب استنزاف ، يستعيد فيها "حزب الله" تألقه المقاوم الأول ، رغم كثافة الضربات والغارات الإسرائيلية ، واقتراب عدد الشهداء اللبنانيين إلى الألف ، وزيادة عدد النازحين من الجنوب إلى ما فوق المليون ، وكلها تضحيات تتحمل بيئة المقاومة أغلبها دونما تذمر ، بينما تبدى جبهة المقاومة الممتدة من طهران إلى لبنان صمودا متصلا ، ويبدع "حزب الله" بالذات فى صياغة طرق مقاومة مختلفة دفاعا عن أرض لبنان ودعما لإيران فى الوقت ذاته ، ويعود إلى تكتيكات حرب العصابات فى جنوب لبنان وشمال فلسطين المحتلة ، ويقاتل رجاله على الأرض حشودا "إسرائيلية" تتجاوز المئة ألف جندى ، ويواصلون ملاحم تدمير دبابات "الميركافا" وقنص قوات العدو الزاحفة لغزو لبنان ، فيما تطور وحداته الصاروخية فى نوعية قذائفها الإيرانية المنشأ والتكنولوجيا ، وتمطر كيان الاحتلال بموجات "العصف المأكول" الصاروخية ، ومن بعدها موجات "خيبر" الأعنف .

       والخلاصة أن نتائج الحرب لاتزال فى ميادينها ، رغم حرص العدو الأمريكى "الإسرائيلى" على التكتم فى إعلان خسائره ، فيما يبدى الجانب المقاوم صلابة تحمل فائقة ، هى من طبع الإيمان بالقضية وعدالتها ، ومن مخزون الطاقة الاستشهادية التى لا تنفد ، ورغم توقع أى ضربات معادية مضافة ، ومهما كانت ضراوتها ، إلا أن هذا النوع من الحروب وبينها الحرب الجارية ، التى ذهبت إليها أمريكا بكل جيوشها بما فيها الجيش "الإسرائيلى" ، ولا تنطوى على أدنى درجات التكافؤ فى موازين السلاح ، هى ذروة الحروب غير المتناظرة فى نوع ولا فى قدرات أطرافها ، وقد دارت مثل هذه الحروب فى منطقتنا على مدى الثلاثين شهرا الأخيرة ، وكانت نتائجها كما تكررت ، أن الطرف الذى يبدو أقوى لا ينتصر ولا يحقق أهدافه ، بينما الطرف الآخر المقاوم لا ينهزم ولا يخرج من الحلبة ، وهكذا كان ويكون بإذن الله .

    Kandel2002@hotmail.com

    الخبر التالي
    هذا اخر خبر
    رسالة أقدم
    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: الدكتور عبد الحليم قنديل يكتب عن : لن تنتصر أمريكا و"إسرائيل" Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top