في
السنوات الأخيرة تغيّر إيقاع الحياة بطريقة قلّما ننتبه لها، العالم تغيّر وإيقاع
إدراكنا له كذلك.
مقاطع
قصيرة تمر أمام أعيننا بسرعة، لا تتجاوز أحياناً بضع ثوانٍ، لكنها تترك أثراً
عميقاً في طريقة شعورنا وتفكيرنا وتفاعلنا مع الآخرين.
وهنا
تبدأ فكرة يمكن أن نسمّيها: “حياتنا ريلز”.
الريلز
أو المقاطع القصيرة في وسائل التواصل تجاوزت الترفيه، إنها الآن "وحدة زمنية
جديدة للانتباه البشري"، ننتقل فيها من ضحكة إلى حزن ومن خبر سياسي إلى مشهد
طريف ومن إعلان استهلاكي إلى لحظة عاطفية، خلال دقائق قليلة.
هذه
السرعة تجعل المزاج يتقلب بصورٍ عشوائية، لتعطي إمكانيةً للخوارزميات كي تتلاعب بنا ولا عجب في ذلك، فقد باتت تعرفنا
أكثر مما نظن، فتقترح ما يشبهنا أو ما يستفزنا أو ما يثير فضولنا.
مع
الوقت تختصر مشاعر الإنسان نفسها "الغضب سريع، الإعجاب سريع، التعاطف سريع،
وحتى الحزن أصبح لحظةً تمر بين مقطعين".
الحكايات التي كانت تروى، حديث الأصدقاء ، مقال جريدة،
كتاب، فيلم، أو جلسة مقهى تتشعب فيها الأفكار.
اليوم كثير من الأفكار تختصر بثوانٍ أو دقائق،
ظاهرة غيرت طريقة استهلاك المعلومة نفسها.
علماء
النفس يلاحظون أن الدماغ البشري يتكيّف بسرعة مع البيئة الرقمية.
عندما
يتعوّد العقل على جرعات قصيرة وسريعة من المعلومات، يصبح الصبر على الأفكار
الطويلة أصعب قليلاً، لأن الإنسان أصبح يتعامل مع
إيقاع أسرع وذا كثافة عالية.
وهنا
تظهر مفارقة مثيرة للاهتمام، الإنسان الذي يتصفح مئات المقاطع يومياً يشعر أنه يرى
العالم كله، لكنه في الحقيقة يرى صوراً مختصرة للمشاعر وحتى العلاقات الاجتماعية.
نرى
صديقاً فنرسل له مقطعاً بدلاً من جملة أو رد فعل بدلاً من نقاش.
ومع
دخول الذكاء الاصطناعي إلى هذا المشهد، تصبح المسألة أكثر تعقيداً.
الخوارزميات
أصبحت تتفاعل و تتوقع ما قد يعجبنا قبل أن نفكر فيه.
وهكذا
تتشكل دائرة مغلقة من التوقع والرغبة والاستهلاك.
هذا
يقود إلى سؤال مهم:
هل نحن
أمام إنسان جديد في طريقة التفكير؟ يَتحكّم او يُتحكّم به ؟
الإنسان
عبر التاريخ تغيّر مع كل تقنية كبيرة.
الكتابة
غيّرت الذاكرة البشرية،
الطباعة
غيّرت انتشار المعرفة،
التلفزيون
غيّر شكل الثقافة المجتمعية.
أما
اليوم فالتقنيات الرقمية، تغيّر الانتباه نفسه، هو أصبح عملة نادرة.
ومن
يملك القدرة على جذب انتباه الناس لثوانٍ يملك تأثيراً واسعاً.
لكن رغم
ذلك، هناك جانب آخر في الصورة.
الإنسان
ما زال يحتاج إلى العمق.
يحتاج
إلى قصة طويلة، إلى كتاب، إلى حوار حقيقي، إلى معنى يتجاوز اللحظة السريعة،
والتحدي الحقيقي في قدرتنا على الموازنة بين السرعة والعمق.
أن نستفيد
من الاختصار ونحافظ على المساحة التي تحتاجها الأفكار الكبيرة كي تنضج.
لأن "الإنسان
الذي يعيش حياته كلها كمقاطع قصيرة قد يرى الكثير من الصور…
لكنه قد
يفقد الصورة الكاملة للحياة".

0 comments:
إرسال تعليق