• اخر الاخبار

    الجمعة، 27 مارس 2026

    مصر العصية على التفرقة.. قراءة في وعي الأزهر وحتمية التلاحم مع العراق.. بقلم : الكاتب والصحفي والقانوني أحمد ذيبان أحمد العراقي

     

     


     

    من قلب بغداد، عاصمة الحضارة والتاريخ، نرقب بوعي واعتزاز المشهد في شقيقتنا الكبرى مصر، التي كانت وما زالت منارة للوسطية والاعتدال. إن ما أثير مؤخراً من لغط وصخب إعلامي عقب خطبة العيد في حضرة الرئيس عبد الفتاح السيسي، ليس في جوهره إلا محاولة بائسة لزعزعة استقرار الفكر العربي المستنير، وتأكيداً على أن طيور الظلام لا تطيق رؤية شمس التسامح وهي تشرق من مآذن الأزهر الشريف.

    إن دعاء الخطيب الأزهري بذكر السر المستودع في بضعة المصطفى، السيدة فاطمة الزهراء عليها السلام، ليس خروجاً عن ثوابت، بل هو تجلٍ لعمق المحبة التي يكنها المصريون لآل بيت النبوة، وهي محبة ضاربة في جذور الوجدان المصري منذ فجر التاريخ. إن اتهام مصر بـ التشيع نتيجة هذا التعبير الروحاني، يعكس ضيقاً في الأفق وجهلاً بطبيعة المجتمع المصري السني بالفطرة، والعلوي بالهوى، والمستنير بالثقافة.

    ومن وجهة نظر قانونية رصينة، نجد أن الدولة المصرية الحديثة أرست دعائم "المواطنة" كأسمى مبدأ دستوري وقانوني. فالدولة لا تعترف بالتصنيف الطائفي، بل تحمي حرية العقيدة وممارسة الشعائر كحقوق أصيلة مكفولة في الدستور. لقد تصدت حكومة الرئيس السيسي بقوة القانون وبـ ضربة من حديد لكل محاولات التكفير والفتن المذهبية التي حاول الإخوان والدواعش زرعها في الجسد المصري. إن تضحيات الجيش والشرطة المصرية في مواجهة الإرهاب لم تكن دفاعاً عن مذهب ضد آخر، بل كانت ترسيخاً لسيادة القانون وحماية لفسيفساء المجتمع التي تضم المسلم والمسيحي على حد سواء في وطن يتنفس السلام. إن الهجمة الشرسة التي تشنها بعض الأصوات المتشددة، وخصوصا بعض دول الخليج  ممن يقتاتون على إذكاء نيران الطائفية، لا تستهدف مؤسسة الأزهر فحسب، بل تستهدف النموذج المصري الناجح في احتواء التنوع. هؤلاء الرعاع الذين لا يعرفون للوسطية سبيلاً، غاظهم أن تظل مصر عصية على التفتيت، وقوية بوعيها السياسي والثقافي الذي يسبق كياناتهم بآلاف السنين.

    وفي هذه المعركة الفكرية والحضارية، يقف العراق الحبيب، شعباً ونخبة، خلف مصر العروبة. فنحن في العراق ومصر نمثل عقل الأمة وضميرها الحي؛ فنحن توأم الحضارة وعماد التاريخ. إذا كانت دول الصحاري قد عرفت العمران حديثاً، فإن بابل ومنف قد علمتا البشرية الكتابة والقانون منذ الأزل. ستبقى مصر وفية لعروبتها ولآل بيت نبيها، وسيبقى العراق سنداً وفياً لشقيقته الكبرى. إنها رابطة الدم والتاريخ والوفاء، التي لا تزيدها الأزمات إلا رسوخاً. فسلام على مصر الحاضنة لكل الأطياف، وسلام على العراق الصامد بوجه الطغاة، وتباً لكل فكر ظلامي يريد تمزيق وحدة هذه الأمة التي ولدت لتبقى عزيزة، أبية، وموحدة.

    وفي الختام، إن ما يربط مصر بالعراق يتجاوز حدود السياسة والجغرافيا؛ إنه رباط مقدس من الحب الفطري والدم الواحد والروح المشتركة، تآلف رغماً عن أنوف الأعداء الحاقدين ومروجي الفتن. إن الشعبين المصري والعراقي توأم في الطيب والنبل والوفاء، لا تزيدهم النوائب إلا تلاحماً. وإن التاريخ ليشهد، والذاكرة لا تنسى، دور العراق الأبي، بلد الكرم والغيرة، حين احتضن الملايين من أشقائه المصريين بصدور رحبة وقلوب محبة في ثمانينيات القرن الماضي. لقد قاسم العراقيون أشقاءهم الملح والزاد في ميثاق شرف ووفاء، لم يشعر فيه المصري بالغربة يوماً بين أهله وعشيرته في بلاد الرافدين. إن هذا العيش المشترك، وهذا الأكل والعيش الذي جرى في عروق الشعبين، خلق عمقاً اجتماعياً وثقافياً لا يقدر أي حاقد على المساس به. فسلام على مصر التي تسكن قلوب العراقيين، وسلام على العراق الذي يتربع في ضمير المصريين، ميثاق حب لا يلين، وعهد وفاء لا ينقطع أبداً، رغماً عن كل ناعق بالفتنة.

     

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: مصر العصية على التفرقة.. قراءة في وعي الأزهر وحتمية التلاحم مع العراق.. بقلم : الكاتب والصحفي والقانوني أحمد ذيبان أحمد العراقي Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top