• اخر الاخبار

    الجمعة، 27 مارس 2026

    احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:حين تحلق الغربان فوق مدينة لا تعرفها..!!

     

     


    في سماء تل أبيب، حيث اعتادت الشمس أن ترسم ملامح مدينة صاخبة بالحياة، حدث ما لم تألفه العيون ولا اعتادته الذاكرة. آلاف الغربان، سوداء كأنها شظايا ليل هاربة، راحت تدور في حلقات كثيفة، كأنها ترسم رسالة غامضة على صفحة السماء، أو تكتب نبوءة لا يقرأها إلا القلقون.

    مشهد بدا غريبا على مدينة عُرفت بندرة هذه الطيور، فالغربان، بطبيعتها، تميل إلى المناطق الجبلية والشمالية من فلسطين، حيث الهواء ألطف والبيئة أكثر مواءمة. أما هنا، في السهل الساحلي الحار، فوجودها بهذا العدد ليس مجرد عبور عابر، بل حدث يستدعي التوقف، وربما التأمل.

    ولأن الإنسان، في لحظات التوتر، يميل إلى قراءة الرموز أكثر من فهم الوقائع، لم يتأخر البعض في ربط هذا المشهد بما يدور من صراع محتدم بين إسرائيل وإيران. فخرجت تفسيرات تتحدث عن "نذير شؤم"، وعن رسائل خفية تحملها الطبيعة حين تضيق الأرض بما عليها.

    لكن، بعيدا عن لغة الأساطير، فإن للعلم تفسيرا أكثر هدوءا وأقل درامية. فالطيور، وعلى رأسها الغربان، كائنات شديدة الحساسية للتغيرات البيئية. قد تدفعها موجات الحر، أو تغير اتجاهات الرياح، أو حتى الضوضاء والانفجارات الناتجة عن التوترات العسكرية، إلى الهجرة المؤقتة أو التجمع في مناطق غير معتادة. كما أن فقدان مصادر الغذاء في موائلها الأصلية قد يدفعها للبحث عن بدائل، حتى لو كانت في بيئة غير مثالية.

    وليس مستبعدا أيضا أن تكون هذه الظاهرة مرتبطة بسلوك جماعي موسمي، حيث تتجمع الغربان في أسراب ضخمة قبل الانتقال أو أثناءه، وهو سلوك معروف لدى بعض أنواعها، وإن بدا مفاجئا لمن لم يعتده.

    ومع ذلك، يبقى للمشهد بُعد آخر لا يقاس بالعلم وحده. فحين تتكاثف الغربان في سماء مدينة تعيش على وقع التوتر، فإنها تعكس، بطريقة ما، حالة القلق الكامنة في النفوس. ليست الغربان من تحمل الشؤم، بل الإنسان هو من يسقط مخاوفه على أجنحتها السوداء.

    هكذا، بين التفسير العلمي والقراءة الرمزية، يظل مشهد الغربان فوق تل أبيب لحظة فارقة؛ تذكير بأن الطبيعة تتحرك وفق قوانينها، لا وفق صراعات البشر، وأن السماء، مهما ازدحمت بالطيور أو الطائرات، تبقى أوسع من كل التأويلات.

    وفي النهاية بقى أن اقول، ربما لم تأت الغربان لتعلن نذيرا، بل لتذكر مدينة مثقلة بالضجيج، أن هناك دائما ما لا يمكن تفسيره بالخوف وحده..بل بالفهم أيضا.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع..حافظ الشاعر يكتب عن:حين تحلق الغربان فوق مدينة لا تعرفها..!! Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top