منذ نعومة
أظفارنا، اعتدنا سماع ما يتردد على منابر الخطابة وصفحات الكتب، من أن صيام ستة أيام
من شوال بعد ثلاثين يوما من رمضان يماثل صيام الدهر كله. هذا الطرح يستند عادة إلى
"معادلة رقمية" تفترض أن الحسنة بعشر أمثالها؛ فثلاثون يوما تعدل ثلاثمائة
يوم، وستة أيام من شوال تعدل ستين، ليصبح المجموع ثلاثمائة وستين يوما، وهي عدة أيام
السنة. بيد أن هذا الاختزال الرقمي للأجر الإلهي يحتاج إلى وقفة تأملية وفقهية عميقة،
لما ينطوي عليه من مفارقات ومخالفات لا تتسق مع عظمة النص القرآني وجلال الكرم الرباني،
وذلك وفق المحاور الآتية:
أولا: الموقف
الفقهي ونقد التفسير الرقمي.
إن الاستناد
لظاهر الحديث في الحساب الرقمي واجهه إنكار من كبار الأئمة كالإمام مالك بن أنس، الذي
لم ير صيامها في "الموطأ" خشية أن يلحقها الناس بفرض رمضان، مما يفتح الباب
للتساؤل: هل يُعقل اختزال العبادة في "عملية حسابية"؟ إن لغة الأرقام هنا
تتعارض مع روح النصوص القرآنية الأكثر قطعية، والتي تجعل الأجر رهنا بالإخلاص لا بمجرد
تعداد الأيام.
ثانيا: ليلة
القدر وفلسفة الزمن الإلهي.
كيف يستقيم
حصر أجر الشهر كاملا مع ستة أيام في حدود سنة واحدة، والقرآن الكريم ينص صراحة في سورة
القدر على أن: "ليلة القدر خير من ألف شهر"؟ إن ليلة واحدة تفوق في ثوابها
أكثر من ثلاث وثمانين سنة؛ فكيف نُخضع شهرا يضم هذه الليلة العظيمة لحسابات "العشر
حسنات" الضيقة؟ إن في ذلك قياسا بشريا قاصرا أمام عظمة التقدير الإلهي ومخالفة
لصريح القرآن في تعظيم شأن رمضان.
ثالثا: خصوصية
الصيام "لي وأنا أجزي به"
إن لصوم
رمضان خصوصية تتجاوز لغة الأرقام؛ فقد اختص الله سبحانه وتعالى الصيام لنفسه في الحديث
القدسي قائلا: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام، فإنه لي وأنا أجزي به". هذا
النص يقطع الطريق أمام أي محاولة لحصر أجر الصيام في "عشر حسنات"، فالجزاء
هنا إلهي مطلق لا يحده سقف ولا تحيط به حسابات البشر المادية. إن مقارنة عطايا الله
المليارية في يوم رمضان بعشر حسنات فقط، يعد قصورا في فهم سعة رحمة الله التي لا تُحد.
رابعا: العدالة
الربانية وتفاوت المقامات.
إن الحساب
الرقمي المسطح يتنافى مع مبدأ العدالة الربانية وتفاوت الإخلاص
بين العباد؛ فمن يجتهد في القيام والتسبيح والتذلل لله، ليس كمن يقضي يومه في لهو أو
نوم، مصداقا لقوله تعالى: "هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون". بل
إن النبي صلى الله عليه وسلم حذرنا بقوله: "رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع
والعطش، مما يؤكد أن الحساب الإلهي يقوم على الكيف والتقوى، لا على مجرد الكم الحسابي
الذي يجعل المخلص والمنافق في كفة واحدة. وحشى لله ان يظلم المسلم وهو العادل في كل
الامور .
خامسا، عطاء
المليارات.. كيف يُقاس بحسابات الآحاد؟
وقد تجلى
كرم الله تعالى في محكم تنزيله حين قال: ﴿مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ
فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ
مِّائَةُ حَبَّةٍ ۗ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاءُ ۗ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
إن هذه الآية وحدها تفتح باباً لملايين الحسنات لمن ينفق في الأيام العادية، فكيف بمن
يتصدق ويتقرب إلى الله في شهر رمضان المبارك؟ إن الصدقة في رمضان لها أجر وثواب لا
يعد ولا يحصى، وكذلك زكاة الفطر وحدها قد تعادل في ميزان الله ملايين بل ربما مليارات
الحسنات؛ فكيف تقارنون تلك الهدايا المليارية من رب كريم رحيم غفور بعشر حسنات فقط
في اليوم الواحد؟! فبأي منطق يُختزل هذا الفضل العظيم ويُقيد بحسابات رقمية ضيقة لا
تليق بسعة جود الله وعطائه يا أصحاب حسابات ستة شوال؟!
سادسا: شوال
فضل مستأنف لا حساب مكمل .
ختاما، نحن
لا نبخس صيام الست من شوال فضلها، بل نعيد الاعتبار لعظمة هذا الفضل كعطاء رباني مستقل،
ونرفض تحويله إلى "تكملة حسابية" لغلق رقم السنة. إن الأجر بيد رب العباد،
يفيض به على من يشاء بغير حساب، فهو نعم المولى ونعم النصير. إن ميزان الله لا يعمل
بلغة الحساب المادية، بل بنور الإخلاص والتقوى؛ فعباداتنا ليست أرقاما تُجمع وتُطرح،
بل هي صلة روح بخالقها. فأن الله سبحانة وتعالى ليس كالبشر يستخدم لغة الارقام التي
يستخدمها البشر كرواتب الموظفين . او اجور العمال التي يستخدمها البشر في حساباته الدنيوية
. حتى نقوم نحن بحسب حسنات ربانية ونضيف الستة من شوال مع اضافة الثلاثون من رمضان
. ليظهر العدد الكلي 360 حسنة . وكأننا قيدنا الفضل الالهي بصيغة بشرية . وقطعنا الرحمة
والكرم الرباني الذي ليس له مثيل . والله يضاعف لمن يشاء وهو على كل شئ قدير . لندع الحساب لمن بيده خزائن السموات والأرض، ولنقبل
على طاعته بقلوب طامعة في فضله الذي لا يحده زمان، وكرمه الذي لا تحصره الأرقام، فهو
سبحانه "واسع عليم".

0 comments:
إرسال تعليق