على مدار اثني عشر عاما، لم تكن تغطيتنا
لصلوات التراويح في مسجد المكباتي مجرد عملٍ صحفي، ولا حتى واجبا مهنيا يُؤدى ثم يُنسى،
بل كانت رحلة ممتدة في دروب الروح، نقتفي فيها أثر النور على وجوه المصلين، ونحاول
أن نحبس الزمن داخل صورة، لعلها تبقي من اللحظة ما يعجز عنه العمر.
من مسجد المكباتي، حيث الألفة تسكن الجدران
قبل القلوب، إلى بعض مساجد سلامون التي احتضنتنا في ليال متفرقة، كنا ننتقل بالكاميرا،
لا لنلتقط صورا فحسب، بل لنشهد حياة كاملة تُروى في ركعة، ودمعة، وابتسامة خاشعة. كنا
نرى السعادة تتسلل إلى الوجوه في صمت، سعادة لا تصطنع، بل تولد مع كل "الله أكبر"،
وتكبر مع كل آية تتلى في حضرة السكون.
وكانت قمة سعادتنا، ونحن خلف العدسة، أن
نلمح ذلك الرضا الخفي في أعين المصلين؛ أن نشعر أننا نوثق لحظات لو لم تلتقط، لضاعت
بين زحام الأيام، رغم عظمتها. كنا نؤمن أن الصورة هنا ليست ترفا، بل شهادة.. شهادة
على زمن طاهر، وعلى قلوب اجتمعت على الله.
غير أن أقسى ما كان يواجهني كل عام، لم
يكن تعب السهر، ولا ثقل المسؤولية، بل تلك النداءات الخافتة من آخر المسجد.. حيث يجلس
"أعضاء حزب الكنبة"، أولئك الذين أثقلتهم السنون أو أرهقتهم الحياة، لكن
قلوبهم لا تزال معلقة بالمحراب.
كان أحدهم يلوح بيده في حياء، ويقول بصوت
يكاد ينكسر؛"صورني يا أستاذ حافظ؛ يمكن ده آخر رمضان."
جملة كفيلة أن تربك القلب، وتسقط كل حسابات
المنطق. كيف لك أن تجيب؟ وكيف لك أن تنكر على إنسان.. أمنية.. بهذا القدر من البساطة
والوجع؟!
هناك، عند آخر الصفوف، تعلّمت أن الكاميرا
قد تكون عزاء، وأن الصورة قد تكون أملا مؤجلا، أو ذكرى يراد لها أن تبقى حين يرحل صاحبها.
تعلمت أن بعض اللقطات لا تؤخذ لأجل النشر، بل لأجل الرحمة.
وفي تلك اللحظات تحديدا، كنت أتنازل عن
أشياء كثيرة..عن ترتيب المشهد، عن قواعد التصوير، عن حتى انشغالي بالتغطية ذاتها..
فقط لأرسم بسمة على شفاه رجل ينتظر أن يُخلد
له هذا المشهد، ولو في إطار صورة.
#فى_النهاية_بقى_أن_نقول؛ اثنا عشر عاما،
والكاميرا بين أيدينا ليست مجرد أداة، بل أمانة..أمانة توثيق لحظات روحانية في شهر
عظيم، وأمانة نقل مشاعر لا تُكتب، بل تُرى وتُحس.
وربما، في نهاية المطاف، لم نكن نحن من
نوثق التراويح.. بل كانت التراويح هي من توثقنا، وتكتب أسماءنا في سجل خفي، حيث النية
تُخلد، والبسمة تُحسب، والصورة تتحول إلى دعاء.

0 comments:
إرسال تعليق