كعادتهم كل مساء، يجتمع رجال القرية عند المقهى ليتبادلوا النكات البذيئة والضحكات الفجة والصخب، وليروحوا عن أنفسهم بعد نهار مشحون بالغبار والتعب. كان المقهى وسيلتهم الوحيدة للخروج على قضبان حياتهم البائسة. وكانوا يخوضون في كل شيء إلا السياسة، وكأنهم قد ورثوا الحذر كابرا عن كابرا، فإذا أراد أحدهم الخروج على هذا التشريع الضمني، انفضوا عنه، وتركوا له المقهى في الحال، وهو ما دفع صاحب المقهى إلى وضع لافتة كبيرة كتب عليها بخط متعرج "ممنوع الكلام في السياسة". ومرت الأيام المتشابهة دون أن يخرج على هذا التشريع أحد. ما حاجتهم لأحاديث السياسة على أي حال؟ أليسوا يعملون كما تعمل البغال، ويأكلون كما تأكل الأنعام، ويتبادلون الضحكات والنكات والشكوى؟ أليس من الترف أن يتطرق الناس للحديث عن السياسة وهم لا يجدون ما يسد رمقهم ويملأ بطون أطفالهم؟ ثم إنهم قد جربوا بأنفسهم كافة التيارات السياسية، واستمعوا إلى وعود المرشحين من كافة والأحزاب حين كانوا يتوافدون على المقهى زرافات ووحدانا أيام الانتخابات اللعينة، فترسخ في أعماقهم أن الكلام في السياسة "ليس من الكياسة". ذات مساء كانوا يتسامرون كعادتهم، فخرج عليهم من بين الأشجار المتداخلة على يمين المقهى مارد عملاق يحمل في يده سيفا بتارا. حاول الرجال أن يفروا من المارد، لكن أرجلهم خذلتهم، فتساقطوا على مقاعدهم خائري القوى وهم يرتعدون. مر عليهم المارد واحدا تلو الآخر، ففتش جيوبهم وجردهم من أموالهم، وضرب بمؤخرة سيفه رؤوس من لم يجد معه شيئا يسلبه. دارت العيون في المحاجر، وتوالت الصرخات المكتومة، ومرت الدقائق ثقيلة على قلوب الرجال حتى رحل المارد في صمت خانق. تكررت زيارات المارد، وبدأ الناس يتخلفون عن الحضور إلى المقهى. لكن المارد تجرأ واقتحم عليهم دورهم، فسرق المتاع، وانتهك الحرمات، وعاث في القرية فسادا. وظل الناس حبيسي المنازل، فلا يخرجون منها إلا لحاجة ملحة أو ظرف قاهر. وهنا ظهر المخلص الذي يأتي في منتصف الأفلام دائما ليخرج المشاهد من فخ التكرار. عامل بسيط صادق، عاصر الخوف مع أهل قريته وقرر أن يتمرد عليه. فنادى في الناس أن اخرجوا. أخبرهم أنهم قادرون إن توحدت زنودهم أن يهزموا المارد مهما كانت قوته. لكن أهل القرية سخروا منه، واتهموه بالسفه. من ذا الذي يقدر على تحدي عملاق بحجم تلة وقوة ثور؟ لما يئس الرجل من قومه، قرر أن يواجه الخوف وحده. فجلس متخفيا خلف باب المقهى، وفي يده رمح قصير، وعندما رأي المارد آت من بعيد، وقف أمامه متحديا، وهز رمحه، وأرسله بأقصى ما يستطيع من إرادة، فاستقر الرمح في صدر المارد، وخر على ظهره صريعا. فنادى الرجل رجال قريته أن اخرجوا، لقد قتلت المارد، لكنهم أبوا الخروج. قالوا في أنفسهم: طالما أنه قتل المارد، فمن المؤكد أنه أشد منه بأسا، وطالما أننا كنا نخشى المارد لقوته، فهذا الرجل أحق أن نخشاه. الرمز إسقاط وعجز عن الصراخ، يقول النقاد. والحكاية الموازية مواربة وجبن، ينبئنا الواقع. ولأننا أبناء عالم ثالث قدر علينا العي في القول والفعل، كما قدر علينا انتظار المصير التعس في تسليم مريع، فمن "حقنا" أن نمضغ أحلامنا وأن نبصقها مغلفة بالقهر في وجه حياة لا تأبه لنا ولا تنتبه لوجوهنا التي لفحها اليأس فوق الأرصفة اللاهبة في انتظار غوردو الذي لا يأتي أبدا. ربما كان غوردو محقا على أي حال، فشوارعنا الملبدة بالتربص لا تليق وخطاه الواثقة. الخوف إذن قرار. والمسافة بين الجبن والحياة بطول رمح قصير يحتاج إلى رجل يثق بعضده. لماذا خلقنا الله عاجزين عن الفعل؟ سأل الطفل أباه. لأننا عرب .. أجاب بسرعة قبل أن يجف ريق الكلمات في حلقه اليابس. Shaer1970@gmail.com

0 comments:
إرسال تعليق