• اخر الاخبار

    الثلاثاء، 24 مارس 2026

    دعاء يهزّ ضمير الأمة ..بقلم : منتصر صباح الحسناوي

     


     

    في صباح العيد حيث تميل القلوب إلى الطمأنينة وتخفّ وطأة الأيام على الناس، خرج دعاءٌ فطري من القاهرة، التقطه الإعلام لارتباطه بمشهدٍ رسمي وحضور الرئيس، فانتقل بسرعة من لحظةٍ عابرة في سياقها الطبيعي إلى قضيةٍ تتناقلها المنصات وتُحمّلها ما لا تحتمل.

     

    كان الدعاء يحمل في روحه ما اعتاده المصريون هناك، كلماتٌ تُقال دون تكلف من قبيل:

    “اللهم بحق فاطمة وأبيها وبعلها وبنيها والسرّ المستودع فيها، فرّج همّ المهمومين وانصر المظلومين واجعل هذا العيد رحمةً على عبادك المستضعفين”،

    وهي عبارات في بيئتها لا تُستدعى لتؤسس موقفاً ولا لتعلن انتماءً، هي تُقال كما تُقال كثير من مفردات الوجدان الشعبي التي تشكّلت عبر الزمن وامتزجت بالمكان والذاكرة.

     

    في مصر، تُقرأ هذه العبارات بوصفها امتداداً لذاكرةٍ طويلة من المحبة، حيث تحضر أسماء مثل علي، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، وزينب، حضوراً يومياً في الوعي الجمعي كرموزٍ للبركة والطمأنينة.

    هي في الحياة اليومية في الأزقة القديمة وحول مسجد الإمام الحسين ومسجد السيدة زينب، تنمو هذه العلاقة بهدوء وتُقال كلماتها كما تُقال التحية بين الناس، حتى لدى من يشارك هذه البيئة من أتباع ديانات أخرى، ضمن حالة تعايشٍ صنعها تاريخ طويل لا اللحظة.

     

    لكن ما إن خرج الدعاء من سياقه، وغادر خريطته الثقافية إلى فضاءٍ أوسع، حتى تقدّمت ردّة الفعل على الفهم ولم يعد السؤال منصبّاً على معنى الدعاء بقدر ما انشغل بتصنيفه وتأويله وتحول النقاش من فهم ما قيل إلى البحث عمّا يُراد به ومن قراءة التجربة إلى إسقاط القوالب الجاهزة عليها.

     

    وهنا تبدأ المشكلة، في زمنٍ تمر فيه المنطقة بظروفٍ استثنائية تتزاحم فيها الأزمات وتتشابك فيها التحديات، وتحتاج إلى قدرٍ من الوعي الذي يجمع ولا يفرّق، وجدنا أنفسنا أمام تضخيمٍ لعباراتٍ عفوية في مقابل تجاهلٍ لوقائع أكثر إيلاماً وأشد حضوراً، من حروبٍ قائمة وتغييبٍ لقيمٍ طالما رُفعت شعاراتها في الدفاع عن الأرض ورفض انتهاكها، وكأن الضجيج أصبح أقرب من الفهم وردّة الفعل باتت بديلاً عن التأمل.

     

    المسألة، في جوهرها بطريقة تلقّيه خارج سياق المعنى الجميل العفوي  إلى موضع اتهام متطرف بعيداً عن سياقٍ يعرفه أهله ويعيشونه دون حساسية، وضمن تجربةٍ دينية شعبية لا تُختزل في حدود الجدل النظري.

     

    هذه الجدلية تبدو بعيدة عن محلّها، لأن نقل الظواهر من بيئاتها دون فهم عمقها الثقافي والاجتماعي يفتح باباً واسعاً للتأويل، ويجعل من الكلمات مادةً للصراع بدل أن تكون جسراً للفهم.

     

    ذلك الدعاء لم يهزّ الناس بقدر ما كشفهم، كشف كيف يمكن لعبارةٍ بسيطة أن تضعنا أمام مرآة فهمنا للآخر وكيف يمكن لردود الأفعال السريعة أن تتحول إلى جدرانٍ تفصل بيننا، في وقتٍ نحن أحوج ما نكون فيه إلى مساحاتٍ أوسع من الإنصات والتفهم.

     

    وفي لحظةٍ تحتاج فيها الأمة ( إن كانت هناك امة) إلى ما يجمعها، يبدو أن التحدي الحقيقي لا يكمن في ما يُقال، وإنما في قدرتنا على أن نسمعه كما قيل… لا كما نريد له أن يكون.

    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: دعاء يهزّ ضمير الأمة ..بقلم : منتصر صباح الحسناوي Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top