• اخر الاخبار

    الجمعة، 27 مارس 2026

    احزان للبيع...حافظ الشاعر يكتب عن :إذاعة صنعت أمة.. في عيدها الثاني والستين

     


     

    في مثل هذا اليوم، لا نحتفل بميلاد صوت عابر في الأثير، بل نحتفي بتاريخ من النبض العربي الخالص.. نحتفي بالإذاعة المصرية التي لم تكن مجرد وسيلة إعلام، بل كانت ضمير أمة، ولسان حال شعب، وحلما يذاع كل صباح على موجات من نور.

    اثنان وستون عاما، وإذاعة القاهرة لم تزل تجيد الإصغاء لوجدان الناس قبل أن تجيد مخاطبتهم.. لم تكن مجرد أخبار تذاع، بل كانت قبلة للوعي، ومحرابا تتلى فيه حكايات الوطن، وتصاغ فيه ملامح الشخصية العربية الحديثة.

    ومن خلف هذا الصوت، كان يقف رجل آمن بالكلمة كما آمن بالبندقية، ورأى في الميكروفون سلاحا لا يقل خطرا عن المدفع.. إنه الزعيم الخالد جمال عبد الناصر، الذي أدرك أن معركة الوعي لا تقل أهمية عن معارك التحرير، فدعم الإذاعة، وفتح لها أبواب الأمة، لتصبح منبرا للثورة، وصوتا لكل مظلوم في وطن عربي كان يبحث عن خلاصه.

    لقد كانت الإذاعة المصرية في عهده جبهة مفتوحة.. تحارب الاستعمار بالكلمة، وتواجه الاحتلال بالحقيقة، وتُبصّر الشعوب بحقوقها، من المحيط إلى الخليج، بل وامتد صداها إلى عمق أفريقيا، حيث وجدت حركات التحرر في صوت القاهرة سندا ومعينا، ورسالة لا تنقطع بأن الحرية حق لا يمنح بل ينتزع.

    ومن رحم هذه الرسالة، خرجت برامج لم تكن مجرد فقراتٍ إذاعية، بل كانت مدارس لتشكيل الوجدان.. من "صوت العرب" الذي حمل قضايا الأمة في صوته الجهور، إلى "ما يطلبه المستمعون" الذي جعل الناس شركاء في صناعة البهجة، و"حديث الروح" الذي مزج بين الدين والفكر، و"على الناصية" الذي جعل من البساطة فلسفة حياة.. وغيرها من البرامج التي سكنت القلوب، وتوارثتها الأجيال كما يتوارثون الحكايات القديمة.

    كانت الإذاعة تُربي الذوق، وتهذب المشاعر، وتعلم الناس كيف يحبون أوطانهم دون ضجيج، وكيف يدركون قضاياهم دون وصاية.. كانت جامعة مفتوحة، يدخلها الفلاح والعامل والمثقف، ليخرجوا جميعا أكثر وعيا، وأكثر انتماء.

    واليوم، ونحن نحيي عيدها الثاني والستين، لا نستدعي الماضي بكاء عليه، بل استلهاما منه.. فالأمم التي تعرف قيمة صوتها، لا تضيع في زحام الأصوات، والشعوب التي تملك منابرها الحرة، لا تهزم مهما تكاثرت عليها العواصف.

    فى النهاية بقى أن اقول؛ سلام على إذاعة كانت ولا تزال نبضا لا يخفت.. وسلام على رجال صنعوا من الكلمة سلاحا، ومن الأثير وطنا.. وسلام على زمن كانت فيه الإذاعة المصرية، بحق، صوت أمة تبحث عن مجدها.. فوجدته.

     


    • تعليقات الموقع
    • تعليقات الفيس بوك

    0 comments:

    إرسال تعليق

    Item Reviewed: احزان للبيع...حافظ الشاعر يكتب عن :إذاعة صنعت أمة.. في عيدها الثاني والستين Rating: 5 Reviewed By: موقع الزمان المصرى
    Scroll to Top