في زمن تقاس
فيه الكلمات بميزان الذهب، وتحسب فيه التصريحات بوقعها على قلوب البسطاء قبل آذان المسؤولين،
خرج الدكتور ضياء رشوان بتصريح أراد له أن يكون طمأنة، فإذا به يتحول إلى علامة استفهام
كبرى في وجدان الشارع المصري.
حين قال
إن الحد الأدنى للأجور في مصر يعادل 35 ألف رغيف خبز، بينما في فرنسا يعادل 1500 رغيف
فقط، بدا وكأنه يقدم معادلة حسابية باردة، لكنها في حقيقتها معادلة تفتقد إلى روح الواقع،
وتغفل عن جوهر المعاناة اليومية التي يعيشها المواطن.
أيعقل أن
تختزل كرامة الإنسان في عدد الأرغفة؟وأيقاس الرخاء بعدد ما يشتريه المواطن من خبز،
لا بما يملكه من قدرة على العيش الكريم؟
إن المقارنة
مع فرنسا هنا ليست فقط غير موفقة، بل تحمل قدرا من التبسيط المخل، وكأننا نقارن بين
رقمين على ورق، لا بين منظومتين اقتصاديتين واجتماعيتين مختلفتين جذريا. فهناك، حيث
تتكامل منظومة الأجور مع خدمات صحية وتعليمية وتأمينية حقيقية، وحيث يصان الحد الأدنى
للإنسان قبل الحد الأدنى للأجر، لا يقاس العيش برغيف الخبز وحده.
أما هنا،
فالمواطن لا يشتري الخبز فقط، بل يشتري الدواء، ويدفع فاتورة الكهرباء، ويواجه أسعارا
تتصاعد كأنها في سباق مع قدرته المحدودة. فكيف تختزل كل هذه الأعباء في رغيف، وكأن
الحياة كلها "عيش حاف"؟!!
إن الخطورة
في هذا التصريح لا تكمن في الأرقام، بل في الرسالة الضمنية التي يحملها؛ رسالة تشعر
المواطن بأن معاناته يمكن تبسيطها، وأن أوجاعه يمكن اختزالها في مقارنة شكلية لا تعكس
الحقيقة الكاملة.
لقد علمنا
القرآن الكريم أن الميزان يجب أن يكون بالعدل، لا بالانتقاء"وَأَوْفُوا الْكَيْلَ
وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ"والقسط هنا ليس في الأرقام وحدها، بل في السياق، في
الرؤية، في فهم الواقع كما هو، لا كما نحب أن نراه.
كان الأولى
أن تبنى التصريحات على مصارحة حقيقية، لا على مقارنات قد تثير الاستياء أكثر مما تحقق
الطمأنينة. فالمواطن المصري لا يحتاج إلى من يقنعه بأنه بخير عبر الأرقام، بل إلى من
يشعر به، ويقدر حجم التحديات التي يواجهها يوميا.
#فى_النهاية_بقى_أن_اقول؛إن
الكلمة مسؤولية، خاصة حين تخرج من مسؤول يعلم أن صداها لن يتوقف عند حدود التصريح،
بل سيمتد إلى ثقة الناس، وهي أثمن ما نملك.
وإذا كانت
النوايا طيبة، فإن حسن التقدير أولى، لأن الواقع لا يدار بالمقارنات المجتزأة، بل بالفهم
العميق والاقتراب الصادق من هموم الناس.
ويبقى السؤال
معلقا في الهواء؛هل نريد أن نقنع الناس بالأرقام.. أم أن نقنعهم بالعدل؟

0 comments:
إرسال تعليق