حين أعلن خبر وفاة الكاتب والناقد فرج مجاهد شعرتُ بذلك الفراغ الذي يخلّفه الغياب قبل أن يملأه الوعي، بل فراغي أنا؛ إذ أدركتُ أن جهلي بهوية هذا الكاتب كان عرضًا من أعراض هذا الزحام الذي نعيش فيه، فلا نلتفت إلا حين يسقط اسمٌ من فوق الرف فيوقظنا صوت السقوط.
أظنني في بدايات التجربة وفي قلّة الإحاطة، كما كنت أظن
أن المعرفة ترفٌ مؤجل وأن الزمن يتّسع دائمًا للقاءٍ آخر واكتشافٍ لاحق، لكن الموت
يقطع هذا الوهم ويضعنا فجأة أمام سؤال أخلاقي: لماذا لم نكن نعرفه من قبل؟
ما إن سمعت نبأ الرحيل إلا وبدأتُ أبحث عن فرج مجاهد،
فعرفت أنه وُلد في الثاني عشر من يوليو عام 1961 بمدينة شربين بمحافظة الدقهلية،
وأنه شقّ طريقه من دبلوم المدارس الثانوية الصناعية إلى ليسانس الآداب– قسم اللغة
العربية – بجامعة المنصورة، وأنه كرّس حياته للسرد والنقد وأدب الطفل، حتى صار
صوتًا بارزًا في إقليم شرق الدلتا، واسمًا حاضرًا في المشهد الثقافي المصري
والعربي.
شغل مواقع ثقافية عديدة؛ كان عضوًا بالنقابة العامة
لاتحاد كتاب مصر، وتولّى منصب نائب رئيس النقابة الفرعية بالمنصورة ودمياط، وشارك
في الدورة السابعة لملتقى الرواية العربية بالمجلس الأعلى للثقافة عام 2019م،
وانتُخب عضوًا بأمانة مؤتمر أدباء مصر عامي 2014 و2015، وتولّى رئاسة تحرير مجلتي (ترانيم)
و(أفنان)، وعمل مديرًا لتحرير (أوراق ثقافية)، وعضو هيئة تحرير مجلة (القصة)، سيرة
حافلة بالعمل كأنها تؤكد أنه- رحمه الله- كان مقيمًا في جوهر الفعل الثقافي.
وقد توزّع إنتاجه بين القصة القصيرة والدراسات النقدية
وأدب الطفل؛ من (هذا العبث) (1998) إلى (رحيق الكلمة) (2001)، و(أحلام عاجزة) (2012)،
و(السرد في جزيرة الورد) (2015)، و(غواية شهر زاد) (2021)، و(السرد والمدى الممتد)
(2021)، و(ذكاء ابن الملك) (2021)، و(تباريح بين الفصحى والعامية) (2022)، و(قيثارة
الرواية) (2022)، و(ألوان الوجع) (2022)، كما حاز الجائزة الأولى للقصة القصيرة في
مسابقة الجمهورية عام 2009، وجائزة التميز في مسابقة صلاح هلال حنفي عام 2015،
وجائزة إقليم شرق الدلتا الثقافي للنشر في العام نفسه.
وأنا أقرأ هذه السيرة كنت أقرأ تقصيري أنا، وتقصيرنا
جميعًا في أن نلتفت إلى الأصوات التي تعمل في صمت، بعيدًا عن أضواء المشهد
الإعلامي وسطوته، كم من كاتب يعيش بيننا ينحت تجربته بصبر ويكتب نصوصه في هدوء،
فلا نمدّ إليه يد القراءة إلا حين تمتد إليه يد الغياب؟
إن معرفتنا الحقيقية تبدأ أحيانًا من لحظة النهاية حين
يموت الكاتب، كأن الموت يُعيد ترتيب أولوياتنا، فيجعل من الاسم الذي لم نكن ننتبه
إليه علامةً مضيئة في خارطة وعينا.
رحم الله فرج مجاهد الذي عرفته بعد رحيله، وهي تذكيرٌ لي
بأن أقرأ الأحياء قبل أن تتحول أسماؤهم إلى أخبار نعي، فالمعرفة التي تأتي بعد
الموت مؤلمة لكنها قد تكون بداية يقظة تدفعنا إلى أن نرى وأن نُحسن الإصغاء إلى من
يكتبون بصمت وهم بيننا.
أتمنى حين رحيلي أجد من يفتش في رسائلي التي كنت أضمنها
ما أكتب.
**كاتبة المقال
باحثة أكاديمية وناقدة فنية وأدبية
ومتحدثة
بالإذاعة المصرية.

0 comments:
إرسال تعليق