تأتي
هذه القصيدة بوصفها خطابًا داخليًا مشدودًا بين قطبين: ضميرٍ حيٍّ مثقل بالخذلان،
وحِكمةٍ روحية تتكئ على اليقين. ومنذ العتبة الأولى، يفرض العنوان نفسه كإعلان
أزمة لا كتوصيف حالة؛ فالضمير ـ وهو أعلى سلطة أخلاقية في الذات ـ يظهر مقيّدًا،
لا غائبًا ولا ميتًا، بما يوحي بأن القهر هنا ليس فقدانًا للقيم، بل تعطيلًا
قسريًا لفاعليتها.
1) بنية
الكتمان وبلاغة الصمت
ا************
يفتتح
النص بحركة التفاف على الألم: «لممتُ رداء الداءِ دون النواظر / وصنتُ لسان الحال
عمّا بخاطري». هذه الصياغة لا تكتفي بإخفاء الوجع، بل تؤسّس أخلاق الصمت بوصفها
اختيارًا واعيًا. فالكتمان هنا ليس ضعفًا، بل استراتيجية نجاة، تُدار فيها اللغة
بحذر كي لا تتحوّل الشكوى إلى ابتذال. تتكثّف البلاغة في مفارقة “لسان الحال” الذي
يُصان عن الإفصاح؛ فالصمت نفسه يصبح لغةً بديلة، أعلى كثافة من القول.
2) الذات
بين الانكسار والتناصّ القيمي
*********
يمضي
الخطاب إلى توطيد علاقةٍ عمودية بين الذات وربّها: «وليس سوى ربّي رجائي وجابري». هنا
تتراجع الوسائط الإنسانية، ويتقدّم الاتكاء الروحي كخيارٍ وحيد. الاستعارة لا
تُجمّل الانكسار، بل تُعيد تعريفه: الكسر ليس سقوطًا، بل مدخلًا للضمّ الإلهي. ومن
ثمّ تتجلّى الحكمة لا كخاتمة وعظية، بل كمسارٍ نفسي يُعاد فيه ترميم الذات من
الداخل.
أما التناصّ القيمي واستدعاء المثال فيظهر حين تقول
الشاعرة: «ولي صبرُ أيوبٍ إذا ما مواجعي»، فهي لا تستدعي اسمًا بقدر ما تستحضر
نموذجًا قيميًا. التناص هنا وظيفيّ، يربط الخاص بالكوني، والآنيّ بالموروث. فالصبر
ليس زينة أخلاقية، بل آلية مقاومة، تُعاد عبرها هندسة الألم ليصير قابلًا للحمل،
لا للإنكار.
3) الجسد
بوصفه مرآة الضمير
**********
يتجلي
الجسد في قصيدة { وَحَتّى الضَّمِيرُ الحَيُّ بَاتَ مُكَبَّلًا } بين الرمزية والواقعية ليعكس ما بالضمير من
انعكاسات أي بوصفه مرآة الضمير ففي البيت السابع من القصيدة يصل تكثيف إلي ذروته
لهذه الانعكاسات التي تكشف ما بالضمير حيث تقول الشاعرة:
أَشدُّ
عَلَى أَزرِي وَأَزرِي يَشُدُّنِي
وَيَحمَرُّ
جَفنِي مِن صَبَابَاتِ نَاظِرِي
وهنا
تُجسّد د. أحلام الحسن لحظة صراع داخلي تتخذ من الجسد مسرحًا لانكشاف الضمير. فقولها:
«أشد على أزري وأزري يشدني» يشي بحركة دائرية من التعاضد والمقاومة؛ إذ يتحول “الأزر”
من معنى السند إلى علامة على التماسك الأخلاقي، وكأن الذات تستمد قوتها من وجدانها
في لحظة وهن. أما احمرار الجفن من “صبابات الناظر”، فهو انتقال من الداخل إلى
الخارج، حيث يغدو الأثر النفسي علامة جسدية مرئية. هنا لا يكون الجسد وعاءً
محايدًا، بل شاشةً شفافة تعكس توتر الروح، فيتجلى الضمير لا خطابًا، بل هيئةً
نابضةً بالمعاناة.
نلاحظ
في هذا البيت أيضا تحوّل العلامات الجسدية إلى إشارات دلالية: احمرار الجفن،
السهر، الدمع، الزفرات. هذه العلامات لا تعمل منفصلة، بل ضمن نسق سيميائي يترجم ما
عجز القول عن الإفصاح عنه. الجسد هنا شاهد عدل على صدق التجربة؛ إذ لا يدّعي
البطولة، بل يفضح كلفة الصبر.
4) مفارقة
العدالة المؤجّلة
**********
تبلغ
القصيدة ذروة توتّرها الأخلاقي في المقابلة الحادّة: «تنام عيون الظالمين قريرة / وعين
شكَت لله ظلم المكابر». المفارقة ليست شعرية فحسب، بل وجودية: كيف يهنأ الظالم،
ويسهر المظلوم؟ غير أن الخطاب لا ينزلق إلى نقمة، بل يرسّخ يقينًا أخلاقيًا
مؤجّلًا، حيث تُحال العدالة إلى ميزانٍ أعلى، لا إلى ردٍّ انفعاليّ.
وتأتي
النهاية في القصيدة ليتجلي التحذير بوصفه حكمة حيث تختتم القصيدة بتحذير كثيف
الدلالة: «فلا تشربوا من كأس جبٍّ به أذى». الكأس والجبّ صورتان تتجاوزان الواقعة
إلى الرمز؛ إنهما تحذير من التطبيع مع الأذى، ومن الاستهانة بما يبدو صغيرًا في
الشرّ. هنا تتكثّف الحكمة بوصفها خلاصة تجربة لا شعارًا أخلاقيًا.
وارتكازا
على ما سبق نرى أن: قصيدة أحلام الحسن «وحتى الضمير الحي بات مقيّدًا» تجعل النص
يبني خطابًا شعريًا رصينًا، تتواشج فيه البلاغة مع الأخلاق، والانكسار مع الحكمة. ووفق
قراءة بنيوية–سيميائية، تتآزر العلامات (الصمت، الجسد، الليل، الكأس) لتشكّل شبكة
دلالية واحدة، فيما تؤكّد نظرية التلقي أن القارئ لا يواجه نصّ شكوى، بل نصّ تربية
وجدانية، يدعوه إلى إعادة التفكير في معنى الصبر والعدل والضمير.
إنها
قصيدة تُنقذ الحكمة من الوعظ، وتُحرّر الضمير من الخطابة، لتقدّم تجربة إنسانية
ناضجة، تعرف كيف تقول الألم دون أن تُسلّمه زمام المعنى.
شكرا
جزيلا للأديبة الشاعرة أ.د أحلام الحسن على هذا النص الماتع والإبداع الحقيقي
الهادف
تحياتي
الدائمة
ا************
د.سيد
فاروق
النّص :
شعر / أ.د.
أحلام الحسن
{ وَحَتّى
الضَّمِيرُ الحَيُّ بَاتَ مُكَبَّلًا }
لَمَمْتُ
رِدَاءَ الدَّاءِ دُونَ النَّوَاظِرِ
وَصُنْتُ
لِسَانَ الحَالِ عَمَّا بِخَاطِرِي
أُسِرُّ
إِلَى نَفْسِي شُعُورِي وَمَدْمَعِي
وَعَيْنِي
فَلَا تُبْدِي الكَلَامَ لِنَاظِرِي
وَقَد
عَزَّ حَالِي عَنْ كَلَامِي مَخَافَةً
وَلَيْسَ
سِوَى رَبِّي رَجَائِي وَجَابِرِي
وَلِي
صَبرُ أَيُّوبٍ إِذَا مَا مَوَاجِعِي
رَمَتنِي
بِسَهمٍ مِثلَ حَدِّ الخَنَاجِرِ
وَمَهمَا
يَدُ الأَيَّامِ أَبلَت شَمَائِلِي
يَقِينِي
بِأَنَّ اللَّهَ لَيسَ بِكَاسِرِي
بَكَيتُ
وَمِن قَولِ الحَقُودِ مَرَارَةٌ
وَنَاحَتْ
لِنَوحِي فَوْقَ خَدِّي ضَفَائِرِي
أَشدُّ
عَلَى أَزرِي وَأَزرِي يَشُدُّنِي
وَيَحمَرُّ
جَفنِي مِن صَبَابَاتِ نَاظِرِي
أَلُوذُ
إِلَى رَبِّي بِكَسرٍ وَزَفرَةٍ
وَمَا
كسرُ قَلبٍ مِثْلَ ضَمّ المَشَاعِرِ
فَلَا
النَّومُ فِي عَيْنِي يَطِيبُ مَقَامُهُ
وَلَا
اللَّيلُ تَنهاهُ نُجُومُ البَشَائِرِ
تَنَامُ
عُيُونُ الظَّالِمِينَ قَرِيرَةً
وَعَيْنٌ
شَكَتْ لِلَّهِ ظُلْمَ المُكَابِرِ
فَلَا
تَشْرَبُوا مِنْ كَأْسِ جُبٍّ بِهِ أَذًى
فَإِنَّ
الجُبَابَ اليَوْمَ عَيْنُ الكَبَائِرِ

0 comments:
إرسال تعليق