لا أحد عاقل يأمل كثيرا ولا قليلا فى نتائج ترتجى من الاجتماع الأول المرتقب لما يسمى "مجلس السلام" فى "غزة" ، فالقصة المسيطرة على المشهد ولأسابيع تتلو ، هى الاستعدادات الجارية لضرب إيران ، وأجواء الذهاب إلى حرب ، إن لم تكن بدأت بالفعل ، تتناقض بالطبيعة مع إدعاءات البحث عن سلام ، وقبل اجتماع مجلس السلام إياه ، جرى عقد اجتماع مجلس الحرب بين الرئيس الأمريكى "دونالد ترامب" ورئيس الوزراء "الإسرائيلى" "بنيامين نتنياهو"، الذى لن يحضر اجتماع مجلس السلام ، ومعنى ذلك ظاهر وبسيط ، فقوة الاحتلال المسيطرة على الأرض فى "غزة" ، لا تبدى تجاوبا بأى قدر ملموس مع ترتيبات جارية باسم تنفيذ "خطة ترامب" ومراحلها فى "غزة" ، وقد بدا ذلك فى العرقلة "الإسرائيلية" لكل الخطوات ، وترحيل استحقاقات من المرحلة الأولى إلى ما بعد إعلان الدخول فى المرحلة الثانية ، بينها ـ مثلا ـ فتح معبر "رفح" فى الاتجاهين ، أى خروج الجرحى ومرافقيهم إلى مصر ، وعودة "الغزيين" الراغبين إلى القطاع ، وبدت الإعاقات طافحة فى التفاصيل ، فالمعبر يدار شكلا بالطريقة المتفق عليها منذ عام 2005 ، بوجود مصرى وحضور أوروبى ومشاركة فلسطينية ، حتى لو انتقل ختم النسر الفلسطينى من السلطة إلى اللجنة الوطنية المتفق عليها لإدارة "غزة" ، لكن لادخول ولا خروج للفلسطينيين المعنيين إلا بعد المرور على نقطة تفتيش "إسرائيلية" ، يجرى فيها التنكيل بهم والتحقيق والاستجواب ، وسلب ما يحملون من أمتعة أو هدايا رمزية ، ويستعين الضباط والجنود "الإسرائيليين" بعملاء من جماعة المجحوم "أبو شباب" وغيرهم ، كل ذلك رغم حصول أسماء المنكل بهم على موافقة "إسرائيلية" مسبقة ، المحصلة أن الأعداد الخارجة والداخلة يجرى اختصارها إلى أدنى حد ، فقد سجل نحو 80 ألف فلسطينى أسماءهم فى قوائم الراغبين بالعودة ، وهناك أكثر من 20 ألف مصاب ومريض فلسطينى تقرر خروجهم للعلاج العاجل ، والإعاقات "الإسرائيلية" تقلص حركة العودة والعلاج ، فوق أن كيان الاحتلال يشترط تعسفيا منع عودة الخارجين من "غزة" قبل تاريخ 7 أكتوبر 2023 ، أى قبل بدء حرب الإبادة الجماعية .
ولا تخفى ـ بالطبع ـ مخالفات الكيان الفظة
حتى لنصوص "خطة ترامب" ، التى تقرر حرية خروج أو عودة الفلسطينيين
الراغبين دون قيود ، فقد تصور الكيان ، وتصورت معه واشنطن ، أن الهدف من فتح
المعبر هو تشجيع ما يسمونه "التهجير الطوعى" للفلسطينيين ، وبنوا
أوهامهم على استطلاعات رأى صنعوها بأنفسهم لأنفسهم ، استشهد بها "ترامب"
فى لقائه السادس مع "نتنياهو" نهاية العام 2025 ، وزعمت أن نصف سكان "غزة"
يريدون الخروج منها فورا ، وفوجئ الطرفان بإقبال الفلسطينيين على رغبة العودة حتى
لو لم تكن لهم منازل ، وتحملهم لكافة صور التنكيل الإجرامى من أجل العودة لأراضيهم
المقدسة ، وهو ما أثبتوه مرارا خلال حرب الإبادة ، فهم لا يريدون الخروج إلا
لأغراض موقوتة كدراسة الطلاب أو العلاج ، وهو ما بدا كصدمة للأمريكيين و"الإسرائيليين"
بالذات ، وكفشل مضاف لحرب الإبادة التى قتلت وجرحت ومزقت أشلاء ربع مليون فلسطينى
بأقل تقدير ، وهدمت وتهدم كل سبل الإقامة فى "غزة" ، ودمرت 90% من
البيوت والمدارس والمستشفيات ودور العبادة ، وجوعت ولاتزال أكثر من مليونى فلسطينى
، وأضافت أكثر من ألفى شهيد وجريح فلسطينى أغلبهم من النساء والأطفال والرضع ، قتل
هؤلاء وغيرهم بالقصف أو الهلاك جوعا وبردا ، رغم السريان الصورى للهدنة منذ العاشر
من أكتوبر 2025 ، وأضيف للدمار الشامل السابق هدما لثلاثة آلاف منزل إلى الآن ،
وكل ذلك مع بقاء قوات الاحتلال جاثمة وراء ما أسموه "الخط الأصفر" ،
ودونما رغبة معلنة من "ترامب" ولا من مبعوثيه لدفع قوات الاحتلال
للانسحاب من المنطقة الصفراء ، أو البدء فى التراجع إلى ما أسمته "خطة ترامب"
بالخط الأحمر لصق حدود "غزة" ، مع التغاضى الأمريكى كليا عن مئات
الاختراقات "الإسرائيلية" لوقف إطلاق النار المعلن ، وتوسيع مساحة
الاحتلال المباشر إلى ما يزيد على 60% من إجمالى مساحة القطاع ، وعدم الوفاء غالبا
باستحقاقات البروتوكول الإنسانى التى كان مقررا تنفيذها من أول يوم هدنة ، فلم
يدخل إلى القطاع المدمر سوى أقل من ربع شاحنات الإغاثة والوقود والأدوية والمستلزمات
الطبية ، ولا دخلت مئات الآلاف من الخيام والمنازل الجاهزة المتفق عليها ولا آليات
فتح الشوارع وإزالة الركام ، وفى القطاع 60 مليون طن من الركام ، مع تحطيم شامل
لبنية الكهرباء والمياه والصرف الصحى والأراضى الزراعية ، وكلها أسباب تكفى وتزيد
لخنق ومحو أبسط صور الحياة ، ورغم كل هذا الخراب غير المسبوق فى تاريخ الحروب ،
يتسابق عشرات آلاف الفلسطينيين بتسجيل رغباتهم العودة إلى "غزة" ، ولو
كانت ترابا وطينا .
وربما تكون هذه الحالة من الاستعصاء
الفلسطينى ، هى التى تدفع الأمريكيين للتلاعب فى أولويات المرحلة الثانية من الخطة
المتعثرة ، وطرح قضية نزع سلاح "حماس" وأخواتها كأولوية مطلقة ، وبحسب
ما نشرته صحيفة "نيويورك تايمز" الأمريكية قبل أيام ، فإن المبعوث
الأمريكى "ستيف ويتكوف" ومعه صهر الرئيس الأمريكى "جاريد كوشنير"
يعتزمان عرض خطة نزع السلاح على مفاوضى "حماس" خلال أسابيع ، وعلى أن
تكون الخطة بمراحل تستغرق شهورا للتنفيذ ، ولا تستبقى لمقاتلى "حماس" وأخواتها
سوى بعض الأسلحة الخفيفة مؤقتا ، ومع جعل نزع السلاح شرطا مسبقا لنشر ما تسمى "قوة
الاستقرار الدولية" أو الشروع فى إعادة الإعمار وبدء انسحاب القوات "الإسرائيلية"
بالتدريج ، وهو شرط يصادر كما ترى على جوهر المطلوب ، فحركات المقاومة ليست جيوشا
بمخازن أسلحة قابلة للرصد والتفريغ ، والدول التى ستشارك فى "قوة الاستقرار"
ليست مستعدة للزج بجنودها فى صدام مسلح مع حركات المقاومة ، فوق أن مفاهيم الأسلحة
الخفيفة والأسلحة الثقيلة لا تبدو صالحة لتفسير نوعية سلاح المقاومة ، الذى تصنعه
الفصائل بنفسها فى ورش وأنفاق ، و"إسرائيل" تزعم أن ما تبقى من مقاتلى "حماس"
يبلغ عددهم نحو 20 ألفا ، وأن لديهم 60 ألف بندقية "كلاشنيكوف" ، وتقول
أن مهمة القوات الدولية الأولى هى نزع سلاح المقاومة وهدم الأنفاق ، وتهدد بالقيام
بالمهمة إن عجزت عنها القوات الدولية ، المكلفة أساسا بحفظ السلام ومراقبة التزام "إسرائيل"
بالانسحاب ووقف إطلاق النار ، وهو ما يضيف تعقيدات أخرى لخطط مجلس السلام "الترامبى"
، فهو لا يستطيع التأكد من نزع سلاح المقاومة ، ولا يملك ولا يريد إجبار الاحتلال
على الانسحاب ، فوق أن "إسرائيل" ذاتها لا تستطيع نزع سلاح المقاومة ولا
كشف كل أنفاقها ، وقد جربت أن تفعل ـ ومعها أمريكا ـ عبر أكثر من سنتين من حرب
الإبادة ، وكان الفشل بالخصوص ظاهرا ، وهى الآن تستخدم دعوى نزع السلاح فقط كذريعة
لاستئناف حرب الإبادة ضد المدنيين العزل وتدمير البشر والحجر والشجر .
وإضافة للإعاقات القائمة بوجه اتفاق "غزة"
، وغياب رغبة القائد الأمريكى لمجلس السلام فى حمل "إسرائيل" على تنفيذ
التزاماتها المقررة ، تتفاقم الحالة فى الضفة الغربية ، التى تشهد الفصل الأخير من
الانقلاب "الإسرائيلى" على اتفاقات "أوسلو" وأخواتها ، وإتمام
إجراءات الضم "الإسرائيلى" الفعلى للضفة ، وبكافة مناطقها (أ) و(ب) و(ج)
، ونقل سجلات المبانى والأراضى بالكامل إلى يد سلطات الاحتلال المدنية والأمنية ،
وتوحش الاستيطان اليهودى واكمال خططه ، وتسليح مئات الآلاف من قطعان المستوطنين ،
وإدارة حرب دموية يومية ضد الفلسطينيين ، والاستيلاء على ممتلكاتهم وحتى أغنامهم ،
وهدم مئات الآلاف من منازلهم ، وتشريع نقل أملاك الفلسطينيين إلى أيدى "الإسرائيليين"
عبر "حارس أملاك الغائبين" فى القدس ، واستكمال تهويدها باخلاء الأحياء
العربية المتبقية ، وجعل اقتحام المسجد الأقصى روتينا يوميا ، والتمهيد لهدمه بعد
اعتياد اقامة الصلوات "التلمودية" فى ساحاته ، والضم الرسمى للحرم
الإبراهيمى فى الخليل ، وإقامة بلدية يهودية منفصلة فى الخليل ، والنزع شبه الكامل
لصلاحيات السلطة الفلسطينية فى رام الله ، فيما تكتفى أغلب الجهات الأممية
والدولية بصيحات الاستنكار وبيانات الإدانة ، وتكتفى جماعة "مجلس سلام ترامب"
بترديد الأوهام عن رفض الرئيس الأمريكى لخطة ضم الضفة ، وهو الذى أيد ضم القدس
بكاملها لكيان الاحتلال ، واعتبر ذلك من إنجازاته التى يفاخر بها لخدمة "إسرائيل"
، ويتظاهر اليوم برفض ضم الضفة دون تحرك افساحا فى المجال لإتمام خطة "إسرائيل"
الهادفة لمنع إقامة أى كيان فلسطينى مستقل فى الحال أو فى الاستقبال .
وبالإجمال ، لا معنى فى هذه اللحظة لحديث عن
سلام مرتقب فى "غزة" ولا فى كل فلسطين ، ولا لتعليق آمال واهية على تعهد
"خطة ترامب" بإنشاء مسار لكيان فلسطينى ، فما يجرى ليس طبخا لسلام ، ولا
اتاحة فرص لتحصيل بعض الحقوق ، وتجدد الحروب أقرب من طرف الإصبع ، وبما يجعل مجلس
السلام إياه مجرد لافتة مموهة لمجلس حرب حقيقى .

0 comments:
إرسال تعليق