تتعدد
صور الطغيان في بني البشر، لكن أقساها قلباً ذاك الذي يستبيح الدماء المعصومة ظناً
منه أن القوة المادية والمنعة البشرية ستحميه من بأس الخالق. يحكى عن رجل استمرأ
القتل واتخذ الغدر سبيلاً، يتخفى وراء ستار عصابة باغية، تقتات على ترويع الآمنين
وتسفك الدماء باسم الدين، والدين منهم براء؛ فما كان الإسلام يوماً مظلة للمجرمين،
ولا سوغ قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. في إحدى سقطاته الدموية، أزهق هذا
الباغي روحاً بريئة بغير حق، فوقع في قبضة العدالة البشرية. غير أن حلفاءه في
الجريمة، ممن غرتهم أموالهم المدنسة، سارعوا لشرائها بالرشاوي والمال الحرام، حتى
استصدروا له حكماً بالبراءة الزائفة. خرج القاتل من سجن الأرض مختالاً فخوراً، يظن
أن الدنيا قد دانت له، وأن القضبان لن تطال عنقه مجدداً، غافلاً عن أن ملفات
القضية لم تغلق في محكمة السماء، وأن "الملك الديان" لا ينام ولا يضيع
عنده دم هباء. ولكي يكتمل فصول مكرهم، أشار عليه أعوانه بمغادرة الديار هرباً من
ملاحقة العدالة أو نيران الثأر، فشد الرحال نحو الأراضي السورية قبيل أحداث عام 2010.
هناك، وفيما كان يظن أنه استأنف حياة الرغد والأمان، اشترى سيارة وانطلق بها في
طرقات الشام، يملأ فضاءها بصخب الأغاني، ويصفق بيدين ملطختين بالدماء فرحاً بنجاته
الموهومة. بينما كان يتمايل طرباً مع أنغام الراديو، كانت أقدار الله تسوقه سوقاً
إلى حتفه المحتوم. ففي لحظة غفلة، وعند منعرج وعر من طرقات سوريا التي لم يألف
تضاريسها، وجد نفسه وجهاً لوجه أمام شاحنة ضخمة داهمته كقضاء مبرم. في ثوانٍ
معدودة، تحولت سيارته الفارهة إلى حطام مهشم، ولم يجد المسعفون جثة ليواروها
الثرى، بل وجدوا أشلاء ممزقة ولحماً مبعثراً تحت وطأة الحديد؛ فكان القصاص من جنس
العمل، وعيداً تجسد في مشهد تقشعر له الأبدان. لقد ظن هذا الظالم أن الصكوك
الورقية التي نال بها حريته هي صكوك غفران دائمة، ففاته أن قضاة الأرض قد يخطئون
أو يرتشون، لكن قاضي السماء عدل لا يجور. إن قصة هذا المجرم ليست مجرد حادث سير
عابر، بل هي رسالة لكل من استقوى بماله أو جاهه على الضعفاء: إن الله يملي للظالم
حتى إذا أخذه لم يفلته. فيا أيها السادر في غيه، لا يغرنك حلم الله عليك، فبينك
وبين الحساب خيط رفيع قد ينقطع في لحظة انتشاء؛ فالعين بالعين، والدم بالدم، ومن
نجا من حبال المشانق في الدنيا، فلن ينجو من سطوة المنتقم الجبار الذي يعيد الحقوق
لأصحابها ولو بعد حين. وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون .
قصيدة: ميزان
العدالة
اتحسب
ان الظلم يحميك في الغد؟
وتغتر
بالدنيا وبالمال واليد؟
قتلت
نفوسا وهي حرة آمنة
بغير
كتاب الله او غير مقعد
بنيت
صروحاً من فساد وفتنة
وخفت
وراء البغي والحقد والردى
رأيت
براءات القضاء غنيمة
فخرجت
في زهوٍ كأنك مهتدِ
نسيت
عيوناً لا تنام عن الورى
تراقب
زيفاً خلف اسوار معتدي
هجرت
بلاداً كنت فيها محارباً
تبحث عن
أمنٍ بغير التعبد
طويت
فيافي الشام تلهو بغفلة
تغني مع
الاوتار في غفلة الردى
وما كنت
تدري ان حتفك قادمٌ
بأمر
الذي يجزي ويقضي بمرصد
تلاقت
خطى الموت بليلٍ ومسلكٍ
فكان
اصطدام الحق بالظلم والمضى
فصارت
حديداً فوق لحمٍ ممزقٍ
فلا ذاك
ناجٍ لا ولا ذاك مقتدي
تلاشت
جراح الظالمين بلمحةٍ
فلم
يبقَ من طغيانهم غير مـوعد
سيعلم
من جاروا على الناس انهم
سينقلبون
لدار عدلٍ وموعد
فيا ويح
نفسٍ غرها طول عيشها
ويا ويح
قلبٍ عن طريق الهدى قدي

0 comments:
إرسال تعليق