ها هو رمضان يطلّ علينا، لا كضيف عابر، بل كنسمة سماوية تعيد ترتيب الفوضى داخلنا، وكأن السماء قررت أن تمنح الأرض فرصة جديدة للنجاة. شهر إذا ذُكر اقشعر له القلب قبل الجسد، وانحنى له الضجيج احتراما، وخفَتت أمامه صخب الشاشات وضوضاء العالم.
رمضان
ليس مجرد صيامٍ عن الطعام والشراب، بل صيام عن كل ما أثقل أرواحنا عن الغضب، عن
القسوة، عن اللهاث خلف تفاهات صارت تدار بأطراف الأصابع على هواتف لا تنام. فى زمن
صارت فيه (الإشعارات) أعلى صوتا من الأذان، يأتي رمضان ليعيد للأذان مكانته،
وللقرآن حضوره، وللقلب نبضه الصحيح.
قال
الله تعالى:
﴿يَا
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾
وهنا
تكمن الغاية… لعلكم تتقون.
التقوى
ليست كلمة تحفظ، بل سلوك يعاش. أن تمتنع وأنت قادر، أن تصبر وأنت مشتاق، أن تغض
بصرك وأنت تستطيع أن تطلقه فى فضاء بلا حدود.
في خضم
الثورة التكنولوجية الهائلة، أصبح الإنسان محاطًا بعالم افتراضيّ يسرق عمره قطعةً
قطعة. ساعات تهدر فى متابعة ما لا يغنى، وجدالات لا تنتهى، ومقارنات تشعل نار
الحسد فى الصدور. وهنا يأتى رمضان ليقول لنا:خففوا أحمالكم.. عودوا إلى ذواتكم..
صوموا عن الضجيج كما تصومون عن الطعام.
الفرد
فى رمضان يولد من جديد..يتعلم الانضباط، يختبر الصبر، يدرك قيمة النعمة، ويشعر
بجوع الفقير لا عبر صورة متداولة، بل عبر إحساس حقيقى يطرق جوفه. الصيام يهذّب
الغرائز، ويربى الإرادة، ويعيد ترتيب الأولويات.
أما
الأسرة، فرمضان هو موسم اجتماعها. مائدة واحدة، دعاء واحد، قلب واحد. كم من البيوت
أرهقها الانشغال، وبددها التباعد خلف الشاشات، حتى صار كل فردٍ يعيش فى جزيرته
الخاصة! لكن رمضان يجمعهم قسرا على لحظة دفء..إفطار ينتظر فيه الصغير دعاء الأب،
وتستعيد فيه الأم معنى البركة، ويتذكر الجميع أن الأسرة ليست سقفًا وجدرانا، بل
روحا واحدة.
أما المجتمع
فرمضان هو مدرسته الكبرى.فيه تتكاثر موائد الرحمن، وتعلو قيمة التكافل، ويصبح
العطاء عادة لا استثناء. هو الشهر الذى يذكرنا أن الأمة لا تقوم بفرد منعزل، بل
بجماعة متراحمة.
إن الجرعة
الإيمانية التى يمنحها لنا هذا الشهر ليست ترفًا روحانيا، بل ضرورة للبقاء. ففى
زمنٍ تتسارع فيه الأحداث، وتتشابك فيه المصالح، وتغيب فيه المعايير أحيانًا، نحتاج
إلى محطة شحنٍ للقلب، وإعادة تشغيلٍ للضمير.
رمضان
ليس شهرا نعيشه ثلاثين يوما ثم نودعه، بل مدرسة نتخرج منها بسلوك جديد..
لسانٍ
أنقى، عين أطهر، يد أكرم، وقلب أكثر خشية.فلنجعل هذا الشهر بداية تغيير حقيقى، لا
مجرد طقوسٍ متكررة.لنصم عن الظلم قبل أن نصوم عن الطعام، وعن الغيبة قبل أن نصوم
عن الماء، وعن الكراهية قبل أن نصوم عن الملذات.
فاللهم
اجعل رمضان هذا العام بداية إصلاحٍ فى نفوسنا، ونورا فى بيوتنا، ورحمةً فى
مجتمعنا، ووحدةً لقلوبنا.اللهم احفظ مصرنا من كل سوء، واحفظ أهلها، وأدم عليها
الأمن والإيمان والسلامة والاستقرار.
وإلى
اللقاء فى المقال القادم من سلسلة
"رمضان…
حين يعود القلب إلى الحياة".

0 comments:
إرسال تعليق