في ذكرى
رحيل مولانا القارئ الشيخ راغب مصطفى غلوش، لا نستدعي مجرد اسم من أسماء القراء،
بل نستحضر زمنا كاملا كانت فيه التلاوة دولة، وللقرآن هيبة، وللصوت رسالة. نستدعي
رجلا إذا قرأ، أنصت الحجر قبل البشر، وإذا رتل، خيل إليك أن الحروف خلقت لتخرج من
حنجرته هو دون سواه.
كان
الشيخ راغب أحد ألمع نجوم “دولة التلاوة” المصرية، لا يعلو صوته على المعنى، ولا
يسبق اللحن الخشوع. صوت رخيم دافئ، يحمل مسحة حزن نبيل، وخشوع لا يتصنع، كأن
القرآن كان يسكنه قبل أن ينطق به.
ولد
الشيخ راغب مصطفى غلوش في الخامس من يوليو عام 1938، بقرية برما التابعة لمركز
طنطا بمحافظة الغربية، تلك القرى التي أنجبت عباقرة التلاوة كما تنبت الأرض الطيبة
زرعها. حفظ القرآن الكريم في كُتّاب القرية قبل أن يتم عامه العاشر، وكأن الله عجل
له بالصحبة الأولى مع كتابه، ثم التحق بالمعهد الأحمدي بطنطا، حيث صقل موهبته،
وتعلم أصول التجويد والقراءات، فصار الحفظ علما، والصوت وعيا، والأداء عبادة.
في
مسيرته المهنية، لم يدخل الإذاعة من باب النجومية، بل من باب القدر. تقدم
لاختبارات الإذاعة المصرية وهو يؤدي خدمته العسكرية، مرتديا زي الجيش، فاجتاز
الاختبار بتفوق، ليحمل لقبا فريدا هو “شاويش القراء”، ويصبح واحدا من أصغر القراء
المعتمدين في ستينيات القرن الماضي. ومنذ تلك اللحظة، بدأ صوته يشق طريقه إلى
القلوب قبل الآذان.
قرأ
الشيخ راغب القرآن بروح الموسيقي العارف، دون أن يقع في أسر الاستعراض. تنقل
ببراعة بين مقامات البياتي، والراست، والسيكا، والحجاز، لكنه لم يكن عبدا للمقام،
بل كان المقام خادما للمعنى. يبدأ هادئا مطمئنا، ثم يعلو شيئا فشيئا، كأن الآية
نفسها تطلب الارتفاع، فإذا بلغ الذروة عاد بك إلى السكينة، تاركا القلب معلقا بين
الخوف والرجاء. كانت تلاوته تشبه الدعاء الطويل الذي لا تمله الروح.
تأثر في
بداياته بمدرسة الشيخ مصطفى إسماعيل، مدرسة الفهم العميق للنص، والبناء المتدرج
للتلاوة، لكنه لم يلبث أن شق لنفسه طريقا مستقلا، فصار له منهج خاص يعرف من أول
آية، لا يقلد ولا يستنسخ. وكان تواضعه بقدر صوته، وزهده بقدر شهرته، حتى روي عنه
موقف إنساني نبيل مع الشيخ محمد صديق المنشاوي، حين تنازل له الأخير عن وقته في
تسجيلات الإذاعة تقديرا لموهبته، في مشهد يلخص أخلاق جيل كان الكبار فيه يعرفون
قيمة بعضهم.
طاف
الشيخ راغب معظم دول العالم، قارئا في المحافل الكبرى، ومحييا ليالي رمضان، سفيرا
غير رسمي لمصر القرآن. ومن أشهر ما بقي في الذاكرة، أذانه من جامع الحسين، ذلك
الأذان الذي لم يكن نداء صلاة فقط، بل نداء روح، ما زال صداه حيا في وجدان من سمعه.
وفي
الرابع من فبراير عام 2016، ترجل الفارس، ورحل الصوت، لكن الأثر لم يرحل. سبعة
وسبعون عاما من العمر، وأكثر من نصف قرن في خدمة كتاب الله، ترك خلالها مدرسة في
الأداء، ودرسا في الخشوع، وشاهدا على زمن كانت فيه التلاوة عبادة قبل أن تكون
تسجيلا.
رحم
الله الشيخ راغب مصطفى غلوش،
فقد غاب
الجسد، وبقي الصوت،
وغاب
القارئ، وبقي القرآن يتلى..
كلما
اشتقنا إلى الخشوع الحقيقي، عدنا إليه،فهو من أولئك الذين إذا ذكروا، ذكر معهم
الصفاء.

0 comments:
إرسال تعليق